بين تمجيد الفضيلة وممارسة النقيض

 

 

 

 

زكريا الحسني

 

من الظواهر التي تستحق الوقوف عندها طويلًا أن الإنسان كثيرًا ما يتحدث عن الفضيلة أكثر مما يمارسها ويكتب عن القيم أكثر مما يجسدها في سلوكه اليومي، فلو تأمَّلنا أحاديث الناس وكتاباتهم ومنشوراتهم لوجدنا مساحة واسعة مخصصة للصدق والأمانة والعدل والرحمة والتواضع والإخلاص لكن حين ننتقل من عالم الكلمات إلى عالم الواقع نصطدم في كثير من الأحيان بصورة مختلفة تمامًا؛ إذ نرى التناقض بين المعلن والممارس وبين المثال الذي يُرفع كشعار والواقع الذي يُعاش كحقيقة؟

 

هذه الظاهرة ليست جديدة لكنها في عصرنا أصبحت أكثر وضوحًا واتساعًا بسبب وسائل التواصل الحديثة التي منحت الإنسان قدرة غير مسبوقة على رسم صورة مثالية لنفسه أمام الآخرين فالكلمات أصبحت أسهل من أي وقت مضى أما الأفعال فما زالت تتطلب جهدًا ومجاهدة ومسؤولية.

 

إن السؤال الفلسفي العميق هنا ليس: لماذا يكذب الناس؟ بل: لماذا يحب الناس الفضيلة حتى عندما لا يمارسونها؟

 

هذا السؤال يقودنا إلى حقيقة مهمة وهي أن الإنسان يحمل في أعماقه معرفة فطرية بالقيم العليا فهو يدرك جمال العدل حتى عندما يظلم ويعرف قيمة الصدق حتى عندما يكذب ويعترف بسمو الرحمة حتى عندما يقسو ولهذا السبب نجد أن الإنسان نادرًا ما يدافع عن الرذيلة بوصفها رذيلة؛ بل يحاول دائمًا أن يمنح أفعاله تبريرًا أخلاقيًا وكأنه يريد أن يبقى متصالحًا مع صورة الخير الكامنة في داخله.

 

وقد عبّر الفيلسوف أرسطو عن هذه الفكرة حين رأى أن الفضيلة ليست معرفة نظرية فحسب؛ بل هي عادة تُكتسب بالممارسة والتكرار، فمعرفة الخير لا تكفي لصناعة الإنسان الفاضل تمامًا كما أن معرفة قواعد السباحة لا تجعل الإنسان سبّاحًا ما لم ينزل إلى الماء.

ومن زاوية أخرى أشار فريدريك نيتشه إلى أن الإنسان كثيرًا ما يصنع لنفسه أقنعة أخلاقية يخفي خلفها دوافعه الحقيقية فالكلمات الجميلة قد تكون أحيانًا وسيلة للحصول على القبول الاجتماعي أكثر من كونها تعبيرًا صادقًا عن حقيقة النفس.

ولعل ما قاله المهاتما غاندي يلخص المسألة بعبارة خالدة: "السعادة هي عندما ينسجم ما تفكر به وما تقوله وما تفعله"؛ فجوهر الأزمة لا يكمن في نقص الشعارات وإنما في غياب الانسجام بين الفكر والقول والعمل.

والإنسان بطبيعته يحب أن يُرى في صورة أفضل مما هو عليه ولذلك ينشأ ما يمكن تسميته بـ"الفجوة الأخلاقية" بين الهوية التي يعيشها والهوية التي يتمنى أن يمتلكها وما يكتبه ويتحدث به قد يكون أحيانًا تعبيرًا عن هذه النسخة المثالية التي يسعى إليها لا عن واقعه الفعلي ومن هنا فإن بعض الخطاب الأخلاقي ليس نفاقًا بالضرورة؛ بل قد يكون اعترافًا غير مباشر بالنقص ومحاولة للتعويض عنه.

غير أن المشكلة تبدأ عندما تتحول الكلمات إلى بديل عن الأفعال فعندما يكتفي الإنسان بالحديث عن الفضيلة دون السعي إليها يصبح الخطاب الأخلاقي مجرد زينة لغوية تخدر الضمير بدل أن توقظه وهنا تتحول الفضيلة من مشروع إصلاح إلى وسيلة تجميل.

وقد قال كونفوشيوس: "الرجل العظيم يتواضع في كلامه ويكثر في أفعاله"، وهذه العبارة تكشف الفارق بين من يجعل الأخلاق موضوعًا للحديث ومن يجعلها أسلوبًا للحياة.

إن الإصلاح الحقيقي لا يبدأ من مطالبة الناس بالمزيد من الكلام عن الفضيلة؛ بل من إعادة الاعتبار للفعل الصغير الصادق؛ فالمجتمعات لا تتغير بالخطب الرنانة وحدها وإنما تتغير حين يصبح السلوك شاهدًا على المبدأ. ولهذا فإن أخطر ما يواجه أي مجتمع ليس انتشار الرذيلة المعلنة؛ بل اتساع المسافة بين القيم التي يتغنى بها الناس والواقع الذي يعيشونه.

وفي النهاية.. تبقى هذه الظاهرة واحدة من أعقد مفارقات الإنسان؛ فهو الكائن الذي يعرف الخير ويعجب به ويمدحه، ثم يعجز في كثير من الأحيان عن الارتقاء إليه، وربما لهذا السبب كانت معركة الإنسان الحقيقية ليست مع الآخرين؛ بل مع نفسه؛ فالحضارات لا تنهار عندما يقل الحديث عن الفضيلة؛ بل عندما يكثر الحديث عنها ويقل العمل بها.

تعليق عبر الفيس بوك

الأكثر قراءة

z