عائشة بنت أحمد البلوشية
تحملني الذكريات إلى تلك الحقبة في بلدة العراقي بولاية عبري، عندما تختلط روائح البل (زهور النارنج، والبالنج، واللومي، والنادان، والشخاخ، والسفرجل) مع عبق الكيف (أكمام نبات النخيل)، فتمتلئ الأجواء بمهرجان الروائح الزكية، وكان دورنا، كأطفال، إلى جانب التقاط "خلال" النخل، هو التقاط بل النارنج فقط، وعدم التقاط "بل" أشجار الحمضيات الأخرى، والإصرار على التقاطه من تحت النارنجة، وعدم قطفه، لأن الرائحة تختلف تمامًا، ثم الذهاب به إلى جدتي -رحمها الله- كي تلضمه في عقود، ثم توزعه إلى علط (جمع علطة)، لتوزعها علينا وعلى الجارات، لتصبح زينة نقوم بتعليقها في أعناقنا، ثم يتلوه الموسم التالي، حيث كانت تنتشر الثمار على جميع الأشجار، فترى عذوق النخل تنوء بحملها، وأشجار الحمضيات تتوشح بثمارها الخضراء الصغيرة، والعجيب أنه ما إن يأتي وقت العصر حتى تهب الرياح وتتساقط الأمطار، التي كانت تكاد تكون بشكل يومي، ورغم شدة الحر اللاهب، إلا أن القيظ كان مهرجانًا يمتلئ بروعة الروائح والألوان والثمار.
كنا نسمع في طفولتنا عن مشمش الجبل الأخضر والبوت والجوز والرمان، وتذوقنا لذة تلك الثمار التي تختلف عن أشجار بيئتنا في ولاية عبري، ومع التقدم والتطور أصبحنا نرى هذه الأشجار والثمار في الأفلام والتقارير الإخبارية في إعلامنا، أما اليوم، ومع مواقع التواصل الاجتماعي، فأصبحنا نتابع الثمار منذ ازهارها إلى قطافها، بل أصبحنا نشهد ثمارًا يتم استزراعها حديثًا بسبب توفر الظروف المناخية المناسبة لها، كثمار النكتارين والبرقوق والدراق والتوت بألوانه الأزرق والأسود والأحمر.. وغيرها، التي أصبحت تنتشر في الجبل الأخضر وجبل شمس، في مشاهد ينقلها لنا -مشكورين- هواة التصوير عبر مواقع التواصل الاجتماعي.
وما تذكري لأيام خلت إلا بسبب ما تشهده محافظات سلطنة عُمان من فعاليات لمهرجانات مختلفة، فقد شهدنا مهرجان العنب في شمال الشرقية، عندما تناقلت وسائل التواصل المختلفة أنواع الأعناب التي شكلت لوحات رائعة، وما صاحبها من استخدام للتقنيات الحديثة في نقل الثمار عبر الطائرات المسيرة، وكم شدني منظر القفير الممتلئ بالعنب المتدلي من "الدرون"، وما هي إلا أيام وأتى مهرجان المانجو في شمال الباطنة، برونقه المتميز، وأنواع ونكهات وأحجام كثيرة من ثمار المانجو وشتلاتها، الذي بدوره أضفى أجواءً من الثراء الزراعي على هذه المحافل، وإذا ما نظرنا إلى مثل هذه المهرجانات، مثل مهرجان العسل، ومهرجانات التمور، ومهرجان الجبل الأخضر.. وغيرها، التي ما هي إلا غيض من فيض عُمان الثري بالكثير والكثير من مهرجانات الثمار التي تنتظر أن يُحتفى بها، الذي بلا شك سيشجع على السياحة الزراعية وتبادل الخبرات بين المحافظات.
-------------------------
توقيع:
"فوق النه خل فوق يابه
فوق النه خل فوق..
مدري لمع خده يابه
مدري القمر فوق..
والله ما ريده باليني بلوه"
جبوري النجار.
