د. سليمان بن علي البلوشي **
اعتادت النقاشات الرياضية أن تسأل: كيف نجذب المستثمرين؟ غير أن هذا السؤال يفترض مسبقًا وجود شيء يستحق الاستثمار، فالمستثمر لا يأتي إلى الفراغ، ولا تتحول الرياضة إلى قطاع اقتصادي بمجرد بناء المنشآت أو زيادة الإنفاق، فقبل ذلك كله، لا بُد أن تتشكل قيمة تجعل الاستثمار ممكنًا أصلًا، ومن هنا يبرز سؤال يقع في قلب الاقتصاد الرياضي المعاصر: من يصنع القيمة في الرياضة؟
حين لا يكافئ السوق الإنجاز وحده
إذا كان المستثمر يبحث عن القيمة، فإن السؤال يصبح: هل يكفي الإنجاز الرياضي وحده لإنتاجها؟ تُظهر التجارب الرياضية أن الإجابة ليست بالضرورة نعم؛ ويُعد ما حدث لنادي ليستر سيتي الإنجليزي عام 2016 مثالًا لافتًا، حين فاز بلقب الدوري الإنجليزي الممتاز، رغم أن المراهنات كانت تمنحه فرصة فوز لا تتجاوز واحدًا من كل خمسة آلاف. كان الإنجاز استثنائيًا بكل المقاييس، وقد رفع قيمة العلامة التجارية للنادي بشكل ملحوظ، لكن ذلك لم ينعكس بالقدر نفسه على العائدات التجارية المستدامة، إذ لم يلتحق النادي لاحقًا بمصاف الأندية الكبرى من حيث الإيرادات التجارية رغم بقائه سنوات في الدوري الممتاز. لقد عزز اللقب حضور النادي عالميًا، لكنه لم يكن كافيًا وحده لبناء منظومة اقتصادية تضاهي ما حققته الأندية الأكبر منه، فما الذي يفسر هذا التفاوت بين الإنجاز الرياضي والقيمة الاقتصادية؟
في المقابل، نجحت مؤسسات رياضية أخرى في بناء قيمة سوقية تتجاوز أحيانًا ما تحققه من إنجازات رياضية مباشرة، ويبدو أن الفارق لا يتعلق بما يحدث داخل المنافسة وحدها، بل بما يحدث حولها، فالسوق لا يكافئ النتائج فقط، بل يكافئ القدرة على تحويلها إلى اهتمام مستمر وقابل للاستثمار، ومن هنا أصبحت الجماهيرية موردًا اقتصاديًا، وأصبح الانتباه نفسه أصلًا يمكن تحويله إلى عوائد وفرص استثمارية.
وهذه إحدى السمات الأساسية لما يُعرف بـ"اقتصاد الانتباه"، حيث تتحول القدرة على جذب انتباه الجمهور والمحافظة عليه إلى مورد اقتصادي بحد ذاته في عالم تتنافس فيه المؤسسات والمنتجات والأفكار على وقت الأفراد واهتمامهم، والرياضة ليست استثناءً من هذه القاعدة، بل ربما تمثل أحد أوضح تجلياتها.
الفورمولا 1: كيف تحولت القصة إلى قيمة؟
إذا كانت تجربة ليستر سيتي قد أظهرت أن الإنجاز الرياضي لا يكفي وحده لصناعة القيمة الاقتصادية، فإن تجربة الفورمولا 1 تقدم الوجه الآخر من المعادلة، فخلال السنوات الأخيرة لم يقتصر التحول على تطوير المنافسة الرياضية نفسها، بل شمل إعادة تقديم البطولة للجمهور باعتبارها سلسلة من القصص والشخصيات والصراعات الممتدة خارج يوم السباق.
ومنذ استحواذ "ليبرتي ميديا" على البطولة عام 2017، تضاعفت عائداتها تقريبًا بالتوازي مع توسع قاعدتها الجماهيرية عالميًا وارتفاع القيمة السوقية لفرقها، ولم يكن هذا النمو نتيجة تطور الأداء الرياضي على الحلبة فقط، بل نتيجة استراتيجية واضحة لتحويل السائقين والفرق والتنافسات الجانبية إلى محتوى مستمر قادر على جذب الجمهور طوال العام.
ولم يكن ما حدث في الفورمولا 1 استثناءً، بل جزءًا من اتجاه أوسع في الاقتصاد الرياضي العالمي، حيث أصبحت الإيرادات التجارية وحقوق البث تشكل الجزء الأكبر من عائدات المؤسسات الرياضية الكبرى. بعبارة أخرى، أصبحت القيمة الاقتصادية في الرياضة الحديثة مرتبطة بقدرة المؤسسات على بناء جمهور واسع والمحافظة على اهتمامه أكثر من ارتباطها بعدد الحضور في المدرجات يوم المباراة.
ولهذا لم يعد الإعلام مجرد وسيط ينقل ما يحدث، بل أصبح جزءًا من عملية إنتاج القيمة ذاتها؛ فحقوق البث تستمد قيمتها من حجم المتابعة الجماهيرية، والرعاة يشترون الوصول إلى الجمهور، فيما تتراكم قيمة المؤسسات الرياضية بقدر قدرتها على البقاء حاضرة في الشأن العام.
حين يصنع الانتباه ضجيجًا لا قيمة
غير أن نجاح الفورمولا 1 يطرح سؤالًا مهمًا: هل يكفي جذب الانتباه لصناعة القيمة الاقتصادية دائمًا؟ تقدم تجربة الرياضات الإلكترونية خلال السنوات الأخيرة سببًا وجيهًا للتشكيك في ذلك، فقد تدفقت مليارات الدولارات إلى هذا القطاع مدفوعة بتوقعات بأن الجماهير الضخمة التي يجذبها ستتحول إلى عوائد مستدامة من حقوق البث والرعاية والشراكات التجارية.
ويُعد ما حدث لفريق "FaZe Clan" أحد أبرز الأمثلة على ذلك، فقد طُرح الفريق للتداول العام بقيمة سوقية بلغت 725 مليون دولار، قبل أن يُباع نشاطه التنافسي بعد أقل من عامين بـ17 مليون دولار فقط، ولم يكن السبب غياب الجمهور أو ضعف الاهتمام، بل اتضح أن حجم الانتباه وحده لا يكفي لبناء نموذج اقتصادي مستدام.
تكشف هذه التجربة جانبًا مهمًا من الجدل الدائر حول العلاقة بين الرياضة بوصفها منافسة، والرياضة بوصفها صناعة ترفيهية، فمنطق "اقتصاد الانتباه" قد ينجح في تضخيم الاهتمام بسرعة أكبر من قدرة الظاهرة نفسها على إنتاج قيمة اقتصادية حقيقية. لهذا، فإن التحدي لا يكمن في زيادة الاهتمام الجماهيري بحد ذاته، بل في ضمان ارتباطه بقيمة رياضية أو تجارية قابلة للاستمرار، فالانتباه ليس قيمة بحد ذاته، بل مادة خام لصناعة القيمة.
وبهذا المعنى، لا تقدم الرياضات الإلكترونية نقضًا لفكرة اقتصاد الانتباه بقدر ما تكشف حدودها، فكما أظهرت تجربة ليستر سيتي أن الإنجاز وحده لا يكفي، وأظهرت تجربة الفورمولا 1 كيف يمكن تحويل الاهتمام إلى قيمة مستدامة، تُظهر الرياضات الإلكترونية أن الانتباه لا يصبح قيمة اقتصادية إلا عندما يجد طريقه إلى نموذج قادر على الاستمرار.
معادلة القيمة الرياضية
تكشف المقارنة بين ليستر سيتي والفورمولا 1 والرياضات الإلكترونية أن القيمة الاقتصادية في الرياضة لا تتولد تلقائيًا من الإنجاز، كما أنها لا تتولد من حجم الاهتمام الجماهيري بمفرده، فالنتائج الرياضية قد تخلق لحظة استثنائية، والانتباه قد يجذب الجمهور لفترة من الزمن، لكن القيمة المستدامة تنشأ عندما ينجح الإنجاز والانتباه والسرد في تعزيز بعضها بعضًا على المدى الطويل.
ولهذا لم يكن ما افتقده ليستر سيتي هو الإنجاز، ولم يكن ما افتقدته الرياضات الإلكترونية هو الجمهور، ففي الحالة الأولى وُجد الإنجاز دون أن يتحول إلى منظومة اقتصادية متكاملة، وفي الثانية وُجد الاهتمام دون أن يستند إلى نموذج قادر على تحويله إلى قيمة مستدامة. أما في تجربة الفورمولا 1، فقد اجتمعت هذه العناصر ضمن سردية مستمرة نجحت في تحويل المنافسة الرياضية إلى منتج اقتصادي وثقافي يتجدد حضوره طوال العام.
الإنجاز يوفر المادة الخام، والانتباه يوسع دائرة التأثير، أما السردية فتمنح هذا التفاعل معنى واستمرارية، وتحوله من حدث عابر إلى أصل يمكن البناء عليه اقتصاديًا. وبهذا المعنى، فإن الإعلام لا يرافق الاقتصاد الرياضي فحسب، بل يشارك في صنع شروط وجوده، فدوره لا يقتصر على نقل ما يحدث، وإنما يمتد إلى بناء السرديات التي تربط الإنجاز بالجمهور وتحول الاهتمام إلى قيمة قابلة للاستمرار.
تحدي الإعلام الرياضي العماني: من الحدث إلى القيمة
إذا كانت معادلة القيمة الرياضية قد ظهرت بوضوح في أسواق رياضية ناضجة، فإن أهميتها تصبح أكبر في البيئات الرياضية الصاعدة، حيث لا يكون التحدي في إدارة قيمة قائمة بالفعل، بل في اكتشافها وبنائها منذ البداية. ومن هذه الزاوية تكتسب النقاشات الدائرة اليوم حول الاستثمار والاستدامة المالية وتنويع الموارد في الرياضة العمانية أهمية خاصة. فالتحدي لا يكمن فقط في التشريعات أو الموارد أو البنية الأساسية، بل في الطريقة التي يُنظر بها إلى الرياضة نفسها، فحين تُعامل باعتبارها نشاطًا يحتاج إلى التمويل، يصبح السؤال: من سيمولها؟ أما حين تُعامل باعتبارها قطاعًا قادرًا على إنتاج قيمة اقتصادية واجتماعية وثقافية، فإن السؤال يتحول إلى: كيف يمكن بناء هذه القيمة وتوسيعها؟
وهنا تبرز أهمية الإعلام الرياضي، فالقضية لا تتعلق بكمية التغطية الإعلامية بقدر ما تتعلق بطبيعتها، فبينما تتوسع المساحات المخصصة للنتائج والتصريحات والجدل اليومي، تبقى الأسئلة المرتبطة بصناعة القيمة الرياضية في الهامش: كيف تُبنى العلامة الرياضية؟ وما الذي يمنح بطولة ما جاذبيتها الاقتصادية؟ وكيف يمكن تحويل الارتباط الجماهيري إلى أصل اقتصادي قابل للاستثمار؟
ولا يعني ذلك التقليل من أهمية الخبر الرياضي أو التغطية التقليدية، فهذه وظائف أساسية لا غنى عنها، لكن الاقتصادات الرياضية لا تُبنى من خلال تسجيل ما حدث فقط، بل من خلال تفسير معناه وقيمته وآثاره، فالإعلام الذي يكتفي بوصف النشاط الرياضي يظل شاهدًا عليه، أما الإعلام الذي يساعد على بناء السرديات القادرة على ربط الإنجاز بالجمهور، فيصبح جزءًا من عملية إنتاج القيمة نفسها.
وفي النهاية، ربما لا يكون السؤال الأكثر أهمية هو كيف يمكن للرياضة العمانية أن تجذب المستثمرين، بل كيف يمكنها أن تنتج القيمة التي يبحث عنها المستثمرون أصلًا، فالقيمة الرياضية لا تُخلق بالإنجاز وحده، ولا بالاهتمام الجماهيري وحده، بل من القدرة على تحويلهما إلى سردية مستمرة وقابلة للنمو؛ وعند هذه النقطة يتوقف الإعلام عن كونه مرآة تعكس الواقع الرياضي، ويصبح أحد القوى التي تشارك في تشكيله، لأنه لا يساهم فقط في نقل القيمة، بل في اكتشافها وبنائها وتوسيع أثرها.
** كاتب وباحث رياضي
