أحمد مسلم سوحلي جعبوب
عندما تتحول القسوة إلى قانونٍ صارم، ويصبح البقاء اختبارًا مفتوحًا على حدود الاحتمال، يقف هذا الخزامى ككائنٍ نباتي نادرٍ كُتب له أن يعيش على حافة الوجود. شجيرةٌ متفردة لا تُشبه سواها، تنسج حياتها بين الصخر والجفاف كأنها توقيعٌ أخير للطبيعة في أقصى تجلياتها. هنا، لا مكان للوفرة، بل لحكمة التماسك الصامت، حيث يتحول البقاء إلى شكلٍ من أشكال المقاومة النباتية العميقة. إنه نبات الندرة المطلقة… الذي لم يُولد ليكون شائعًا، بل ليبقى شاهدًا على معنى التحدي في أقصى صور الحياة.
ويُعدّ Lavandula hasikensis A.G.Mill أحد الأنواع النباتية النادرة التابعة لجنس الخزامى ضمن الفصيلة الشفوية (Lamiaceae)، وقد وُصف علميًا لأول مرة سنة 1985، وهو من الأنواع المقبولة تصنيفيًا في المراجع العالمية المعتمدة مثل قاعدة بيانات Kew (Plants of the World Online) وIPNI. ويمثّل هذا النبات نموذجًا فريدًا للتوطن النباتي في جنوب شبه الجزيرة العربية، إذ يقتصر وجوده على محافظة ظفار جنوب سلطنة عُمان، وبشكل خاص في المناطق الجبلية الشرقية مثل نطاق حاسك وجبل سمحان وشعب سعلفن، حيث جُمعت منه العيّنة النمطية على ارتفاع يقارب 950 مترًا فوق سطح البحر.
ينمو هذا النوع في بيئات جافة إلى شبه قاحلة، غالبًا على المنحدرات الصخرية المكشوفة وفي الشجيرات الصحراوية، وهي بيئات تتسم بندرة المياه وشدة الإشعاع الشمسي. وقد أظهر النبات تكيفات واضحة مع هذه الظروف، من أبرزها تغطية أجزائه الهوائية بزغب أبيض كثيف ذي طبيعة صوفية، وهي سمة معروفة في نباتات البيئات القاسية لما لها من دور في تقليل فقدان الماء وعكس أشعة الشمس.
من الناحية المورفولوجية، يظهر النبات على هيئة شجيرة صغيرة ذات قاعدة خشبية، كثيرة التفرع من الأسفل، ولا يتجاوز ارتفاعها عادة نحو نصف متر. الأفرع رفيعة ومكسوّة بشعيرات دقيقة متفرعة، بينما تتركز الأوراق غالبًا في الأجزاء السفلية من النبات. الأوراق بسيطة إلى مفصصة بشكل محدود، قاعدتها غير معنقة بوضوح، وغالبًا ما تبدو شبه جالسة، كما تتقابل بشكل متعامد، ويحمل كل ورقة أذينان عند القاعدة. وتحتوي الأوراق على خصائص جنس Lavandula من حيث وجود غدد زيتية عطرية، كما تميل إلى التساقط المبكر، وهو من سمات التكيف مع الجفاف.
أما الأزهار فهي أنبوبية ثنائية الشفة، وهو نمط مميز للفصيلة الشفوية، ويكون لونها بنفسجيًا فاتحًا مائلًا إلى الليلكي، مع احتمال ظهور عروق أغمق. تنتظم الأزهار في نورات سنبلية قصيرة أثناء الإزهار، ثم تستطيل مع تقدم مرحلة الإثمار. ويتكوّن الجهاز الزهري من كأس أنبوبي وتويج ثنائي الشفة، مع أربع أسدية، وهو تركيب يتوافق مع النمط العام للجنس.
يحظى هذا النوع بأهمية تصنيفية خاصة، إذ تم إدراجه ضمن قسم مستقل داخل الجنس يُعرف باسم Hasikenses، ما يعكس تميّزه البنيوي مقارنة ببقية الأنواع. وهو نوع متوطن نادر في جبال ظفار، ويمثّل شجيرة عطرية صغيرة متكيفة مع البيئات الجافة، وله أهمية تصنيفية خاصة داخل جنس Lavandula.
ورغم انتمائه إلى جنس معروف بقيمته العطرية والطبية، لا تتوفر حتى الآن بيانات علمية موثقة عن الاستخدامات الطبية أو العطرية أو التركيب الكيميائي لهذا النوع، ويُعزى ذلك إلى ندرته وقلة الدراسات التي تناولته. كما أنه لا يزال محدود الدراسة، ويحتاج إلى توثيق ميداني وعلمي أوسع داخل نطاق انتشاره في سلطنة عُمان.
وقد أخذ هذا النبات الفريد اسمه العلمي تيمنًا بـ"حاسك"، وهي إحدى نيابات ولاية سدح في محافظة ظفار، في إشارة علمية إلى موطن ظهوره وتفرّده الجغرافي. وهو بذلك يحمل دلالة مكانية عميقة تعكس ارتباطه الوثيق ببيئة محدودة شديدة الوعورة، حيث تتعاقب الأودية السحيقة مع التلال الصخرية الصلبة، في مشهد طبيعي لا يمنح الحياة بسهولة، بل يفرض قانون "البقاء للأصلح" بأقصى صوره.
وفي قراءتي الميدانية للنباتات النادرة في سلطنة عُمان، يتضح أن هذا النوع يمثل نموذجًا صارخًا لكيفية تشكل الندرة في أقصى البيئات قسوة، وكأن الطبيعة هنا لا تنتج الكثرة، بل تنتقي البقاء في صورته الأكثر صلابة وتفرّدًا.
في سلطنة عُمان عدة أنواع من الخزامى، وأغلبها نادرة للغاية، وهذه الأنواع في مناطق ظفار ضمن النباتات العطرية التي يطلق عليها السكان (هريان أكولون).




