التنمية الاقتصادية.. سبيل الاستدامة والرخاء

 

 

إدريس بن علي السعيدي

Idris.alsaidi@kg.om

 

يهتم العالم اليوم ببناء اقتصاد قوي ومتنوع، لأن الاقتصاد هو الأساس الحقيقي الذي يحمي الدول ويضمن استقرارها وأمنها في وقت الأزمات والتحولات الكبرى التي يمر بها المجتمع الدولي. وفي سلطنة عُمان، ومع بداية مرحلة النهضة المتجددة، أصبح التركيز على تحقيق الاستدامة والرخاء هدفًا أساسيًا للجميع، وشعارًا بارزًا للمرحلة القادمة. إن بناء مستقبل آمن ومستقر للأجيال القادمة لا يعتمد على الأمنيات، بل يحتاج إلى خطط وطنية واضحة تحول التحديات إلى فرص حقيقية للنمو والنجاح. من هنا، تدرك سلطنة عُمان أن قوة أي دولة لا تقاس فقط بمواقفها الخارجية، بل بمدى قوة اقتصادها الداخلي، وتنوع مصادر دخلها، وقدرتها على مواجهة المشكلات الاقتصادية العالمية مثل التضخم وتقلبات أسعار النفط.

ولتحقيق هذه الرؤية الشاملة، لا بد من النظرة إلى الاقتصاد كمنظومة متكاملة؛ تبدأ من حماية الاستقرار المالي للدولة، وتمر عبر تنشيط قطاع الصناعات الحديثة والمشاريع اللوجستية الكبرى التي تستغل موقع سلطنة عُمان الجغرافي الفريد، وصولًا إلى الاهتمام بالمؤسسات الصغيرة والمتوسطة التي تعتبر المحرك الفعلي لطاقات الشباب العُماني. إن الترابط بين هذه القطاعات المختلفة هو السبيل الوحيد لبناء اقتصاد مرن ومتين، قادر على التكيف مع كل المتغيرات المستمرة في العالم من حولنا، وتحويل الخطط المكتوبة إلى واقع ملموس يعود بالخير والرخاء على الوطن والمواطن.

لقد عاش الاقتصاد العالمي في السنوات الأخيرة حالة من عدم الاستقرار، نتيجة للأزمات المتتالية التي أثرت على حركة التجارة وسلاسل الإمداد، وأدت إلى تذبذب أسعار النفط في الأسواق العالمية بشكل مستمر. وبطبيعة الحال، لم تكن سلطنة عُمان بعيدة عن هذه التأثيرات؛ إذ واجهت ضغوطًا اقتصادية كبيرة فرضت ضرورة اتخاذ قرارات حاسمة لحماية استقرار البلد المالي وتأمين مستقبله. وهنا ظهرت حكمة القيادة السامية في التعامل مع الأزمة برؤية واقعية وشجاعة، حيث ركزت الدولة على وضع خطط صارمة للاستدامة المالية، وضبط وتوجيه الإنفاق الحكومي نحو الأولويات التي تخدم النماء الحقيقي وتدعم بنية الاقتصاد الداخلي.

ولم تكن هذه الخطوات مجرد إجراءات مؤقتة للتعامل مع ظرف عابر، بل كانت انطلاقة حقيقية لبناء أرضية صلبة ومستقرة، حيث نجحت سلطنة عُمان في خفض الدين العام بشكل ملحوظ، ورفعت من تصنيفها الائتماني لدى المؤسسات المالية الدولية، إذ بلغ تصنيفها الائتماني درجة الجدارة الاستثمارية عند مستوى (BBB-)، مما أعاد الثقة العالمية بقوة الاقتصاد العُماني ومتانته. إن هذا النجاح الكبير في مواجهة التحديات، وتحويل العجز المالي إلى فائض، أثبت أن الدولة قادرة على حماية نفسها من الصدمات الخارجية، ووفر البيئة الآمنة والمستقرة التي نحتاجها اليوم للبدء في تحقيق الرخاء، والانتقال نحو قطاعات الإنتاج والتنويع الاقتصادي بكل ثقة وثبات.

إن العبور نحو اقتصاد مستدام يتطلب بالضرورة عدم الاعتماد على مورد واحد أو الدوران في مدار الاقتصاد التقليدي، ومن هنا جاء التوجه الوطني نحو تعزيز قطاع الصناعة والخدمات اللوجستية كأعمدة أساسية لبناء المستقبل. ولم تعد الصناعة العُمانية اليوم تقتصر على الجوانب المعتادة، بل انطلقت نحو مجالات حديثة تعتمد على الابتكار والقيمة المضافة، مستفيدة من البنية التحتية المتطورة والموقع الجغرافي الاستثنائي لسلطنة عُمان؛ فالإشراف المباشر والموقع الفريد لموانئنا العالمية في الدقم وصحار وصلالة يجعل من سلطنة عُمان بوابة رئيسة لحركة التجارة العالمية، يسهل من خلالها وصول المنتجات الوطنية إلى أبعد الأسواق العالمية بكفاءة عالية وبأقل تكلفة ممكنة.

وفي هذا السياق، لا يمكن الحديث عن مستقبل الصناعة والتنوع دون الإشارة إلى التوجه الاستراتيجي الفعلي نحو قطاع "الهيدروجين الأخضر". إن استغلال الطاقة الشمسية وطاقة الرياح لإنتاج هذا الوقود النظيف على أرض الوطن، يمثل ثورة صناعية حقيقية تخلق فرصًا استثمارية ضخمة، وتجعل من سلطنة عُمان لاعبًا رئيسًا في سوق الطاقة العالمي الجديد. هذا التكامل الذكي بين الموانئ المهيأة ومشاريع الطاقة المتجددة، يضمن توفير بيئة صناعية آمنة ونظيفة، تسهم في جذب الاستثمارات الأجنبية، وتحويل الخطط الاقتصادية إلى مصادر دخل متجددة تحمي رخاءنا الوطني وتدعم نموه المستمر على المدى الطويل.

ولا يأتي الاهتمام المتزايد بالمؤسسات الصغيرة والمتوسطة من فراغ، بل يعكس الرؤية السديدة لمولانا حضرة صاحب الجلالة السلطان هيثم بن طارق المعظم -حفظه الله ورعاه- وإيمانه بأهمية هذا القطاع في بناء اقتصاد وطني متنوع ومستدام. فقد حظيت هذه المؤسسات خلال السنوات الماضية بدعم كبير من خلال البرامج والمبادرات الحكومية والتشريعات المحفزة، انطلاقًا من دورها الحيوي في توفير فرص العمل وتشجيع الابتكار وتعزيز مساهمة القطاع الخاص في التنمية الاقتصادية.

وتشير الإحصاءات الرسمية إلى أن عدد المؤسسات الصغيرة والمتوسطة في سلطنة عُمان بلغ أكثر من 104 آلاف مؤسسة، منها ما يزيد على 89 ألف مؤسسة صغيرة وأكثر من 15 ألف مؤسسة متوسطة، وهو ما يعكس النمو المتواصل لهذا القطاع والثقة المتزايدة في دوره الاقتصادي. كما تسعى رؤية "عُمان 2040" إلى رفع مساهمة هذه المؤسسات إلى 21% من الناتج المحلي الإجمالي، وزيادة مساهمتها في الصادرات إلى 23%، إلى جانب تعزيز دورها في توفير فرص العمل وتنمية الكفاءات الوطنية.

ولم يقتصر الدعم على الجوانب التنظيمية والتشريعية فحسب، بل امتد ليشمل التسهيلات التمويلية وبرامج التدريب والتأهيل وتوفير الحوافز الاستثمارية، بما يمكن هذه المؤسسات من النمو والتوسع والمنافسة في الأسواق الإقليمية والعالمية. كما أن هذا الاهتمام يعكس قناعة راسخة بأن المؤسسات الصغيرة والمتوسطة ليست مجرد منشآت تجارية، بل شريك أساسي في تحقيق التنمية الاقتصادية والاجتماعية، وأحد أهم الممكنات لتحقيق مستهدفات رؤية "عُمان 2040" وبناء اقتصاد أكثر مرونة وقدرة على مواجهة التحديات المستقبلية.

ختامًا، إن التنمية الاقتصادية في سلطنة عُمان ليست مجرد أرقام تُقرأ في الموازنات السنوية، بل هي رؤية وطنية شاملة ونهج متكامل يصنع من الاستدامة هدفًا راسخًا، ومن الرخاء غاية عليا يسعى الجميع لتحقيقها. وبفضل التوجيهات السامية والخطط الوطنية الواعية، تسير سلطنة عُمان اليوم في طريقها الصحيح نحو بناء اقتصاد مرن وقائم على التنوع والتنافسية. وستبقى عُماننا دائمًا عنوانًا للاتزان، ومنبعًا للبناء، لتستمر مسيرة النماء على أرضية صلبة من الجهد المخلص، والعطاء المستمر، والمستقبل الواعد الذي يحمل الخير والرخاء والاستقرار لكل الأجيال القادمة.

تعليق عبر الفيس بوك

الأكثر قراءة

z