جزاء المغربي لابن طلفاح!

 

 

 

حسين الراوي

 

حكايةٌ تُروى في الموروث الشعبي عند أهل البادية، جاءت بصيغٍ متعددة، غير أن روحها واحدة، وتقول: في ليلةٍ مقمرةٍ من ليالي الصحراء، كان رجلٌ بدوي يُدعى ابن طلفاح على ظهر جمله، يشقّ سكون الليل، وفجأة اخترق السكونَ صوتُ استغاثةٍ مفزعة؛ صوتُ رجلٍ يتخبّط بين الحياة والموت، إذ باغته ذئبٌ مفترس.

لم يتردد ابن طلفاح لحظةً واحدة. نزل عن راحلته، وأمسك ببندقيته، وأطلق رصاصةً دقيقة أصابت رأس الذئب فأردته قتيلًا. ثم اقترب من الرجل المصاب، فوجده غارقًا في دمائه، وجسده ممزقًا، والألم يعصف به.

سقاه الماء، وغسل وجهه الملطخ بالدم، وربط ما استطاع من جراحه بشماغه الذي قطّعه إلى أجزاء، ثم حمله على ظهر الجمل، وسار به إلى بيته -بيت الشعر- الذي لا هو بالقريب فيُدرك سريعًا، ولا بالبعيد الذي يُحبط الأمل.

عند وصولهما، خصص ابن طلفاح للرجل فراشًا، وتولّى علاجه اليومي بنفسه: يضمّد جراحه، وينظّفه، ويطعمه ويسقيه، كأنه واحدٌ من أهله.

مرّت الأيام ثقيلةً على الرجل، حتى بدأ يستعيد صوته وشيئًا قليلًا من قوّته، فشكر ابن طلفاح، وأخبره أن راحلته وجلت وفزعت من هجوم الذئب، فرمته على الرمال وهربت بعيدًا، وكان يحمل عليها ماله وأكله وشربه، وأنه رجلٌ من بلاد المغرب، قدم قاصدًا الحج.

بعد مُضي شهرين، التأمت الجراح، واستعاد المغربي عافيته، وتبدّلت حاله إلى الأفضل. قرر أن يستأذن ابن طلفاح في العودة إلى وطنه وأهله، خاصةً وأن موسم الحج قد فاته. فودّعه ابن طلفاح بما يليق بكرم البادية، حيث أعطاه راحلةً يركبها، ومالًا يعينه، ومؤونةً تكفيه، وبندقيةً تحميه من وحوش الطريق.

وقبل أن يفترقا، أخذ المغربي عهدًا على نفسه أن يردّ الجميل، وذكر لابن طلفاح اسمه كاملًا وعنوانه، طالبًا منه بحرصٍ شديد أن يزوره يومًا في بلاد المغرب.

مرّت أعوام، واشتاق ابن طلفاح لمعرفة أحوال الرجل المغربي وأخباره، فشدّ رحاله، وعبر الديار حتى بلغ بيته. فتفاجأ المغربي وفرح برؤية ابن طلفاح، واستقبله باحتفاءٍ بالغ، وأحاطه بالضيافة والكرم.

وفي مساء اليوم التالي، جلس المغربي بالقرب من ابن طلفاح، وقال: «يا ابن طلفاح، والله لا أعرف بماذا أجازيك على إنقاذك لحياتي واهتمامك العظيم بي عندما كان جسدي ممزقًا بسبب ذلك الذئب الذي هاجمني. وبعد أن فكرت طويلًا، لم أجد شيئًا أجازيك به سوى أن أعطيك حسناتي، وآخذ سيئاتك«.

تعجّب ابن طلفاح وقال: «وكيف يكون ذلك؟«

عندها أخرج المغربي خنجره الحاد من غمده، ووضعه على عنق ابن طلفاح، وقال: «أذبحك… فتأخذ حسناتي، وأحمل أنا سيئاتك، فتموت مظلومًا فتدخل الجنة«.

تجمّد الدم في عروق ابن طلفاح، لكنه تماسك وأظهر صموده، وقال بهدوء:

«دعني أفكّر في الأمر إلى الصباح«.

وحين عمّ الليل، وغرق المغربي في نومٍ عميق، نهض ابن طلفاح في صمت، وتسلل إلى الباب ثم غادر الدار خفيةً، هاربًا من جزاءٍ ظنّه صاحبه المغربي إحسانًا، وهو في حقيقته جنونًا.

تُختزل الحكاية في درسٍ واحد: أن النية الحسنة إذا افتقرت إلى الحكمة قد تفضي إلى عواقب كارثية. فالفعل النبيل لا يكتمل بحرارة المشاعر وحدها، بل يحتاج إلى رجاحة العقل كي يبلغ غايته السامية دون أن ينحرف عن مساره.

تعليق عبر الفيس بوك

الأكثر قراءة

z