ماجد بن علي الهادي
"تُردِّد دائمًا: خانني التعبير! ألم تفكر ولو لمرة واحدة: لعلك أنت من خنته؟" محمد الرطيان.
********
التكامل الفكري لا يتكامل إلا بالروح المغذية لمعنى سد النقص لكل ما من شأنه أن يعلو ويسمو ويرتقي بالفكر. وهذا التكامل الفكري لا تتزن معاييره إلا بمعايرتها بالإلهام، ولترتشف من رحيق الإلهام حبذا لو تندمج معه وبه.
الإلهام، وما أدراك ما الإلهام، إنه الروح التي تتناغم معها الأحاسيس، والجمال الأدبي الذي يزخرف به الأديب مشاعره ورؤاه. شرارة جميلة تفجرها نار الإبداع، فيستنير الأفق بإشراقات حسية مرهفة. يتحفز فيه العقل لتسطير مواهبه ومكنوناته المصفوفة بدقة متناهية من قبل إفرازات خلايا الإدراك.
تتجدد الأفكار من تلقاء ذاتها وفق ما تم صقله سابقًا بالاطلاع والقراءة. تتهافت فيه ومنه كل دوافع التحليل والتدقيق والارتشاف من بحور الثقافات المختلفة. يتفنن فيه الخيال بألوان مدمجة من أطياف السرديات الرشيقة بحروفها، والأنيقة بكلماتها، والجميلة بأنفاسها الأدبية. يستوحد الملهم مع شخصياته الخيالية فيحاورها ويشاكسها، يجدها متفاعلة مع صخبه وهدوئه، يراها ترتدي الملابس الداكنة بدكن المعرفة، والفاتحة بشفافية المعنى. يلونها بألوانه الخاصة إن دعت الحاجة من أجل إثارة الفكرة وتشويق المغزى.
هذا الشعور الذي تتراكض نحوه فراشات الإلهام، هو ما يتمارى فيه الابتكار والإبداع. ابتكار الكلمة وإبداع الحرف وحرفنة المعنى. هذه الومضة من الإدراك تساوي عمرًا من البوح، وتنسج مصفوفات من درر المفاهيم. ستصبح بعدها الأمور منطقية ومفهومة، وسيصبح الإدراك حينئذ علامة فارقة في البوح السردي المتكامل. ستشرق الروايات بشموسها الوردية، وستحمر القصص ببزوغها الجميل، وستنهل العيون روائح الإبداع الرائع. وأنت تنقش الحروف على الصفحات أو الشاشات، تتوقف فجأة، يضيع منك المعنى المسترسل، ويغرق الحرف الأخير في بئر الضياع، إلى أن تحط فراشة خيالية جميلة على سطح البياض، فتتدفق الحروف وتندفع الكلمات ويسترسل المعنى إلى التوّان المثالي المطلوب.
هناك ما ينقص التكامل حتى يتكامل، إنه البوح النفسي والروحي، نعم بوح من نوع آخر، بوح لا يُستشعر إلا من لدن مستشعره وقالبه، ألا وهو الفكر المتوقد، العقل الذي أبى إلا أن يسافر في آفاق الفكر والمعرفة، أبى إلا أن يستكين في الخيط الفاصل بين الإدراك والمفهوم. تتكامل خلايا الاستيعاب بما نهلت منه، وتتواشج الكلمات بحروفها المنعكسة من شعاع ذلك العقل المتمرس على الغوص في أعماق المعرفة والمعلومة. يحلل.. يدقق.. يركز.. يتمعن.. يتأمل.. وفي الأخير يصنع القالب المناسب. القالب الفكري والعقلي والنفسي والذاتي والاجتماعي. يصنعه بإتقان الكلمة وانتقاء الحروف المكملة للتكامل. لا ينقص التكامل إلا الروح المنضبطة مع مسارات أهداف العقل. أهداف قد لا تُرى ولا تُسمع، ولكنها تُستشعر. أهداف غفلت عنها معظم العقول، وتاهت عن مساراتها جل العقول.
أهداف فكرية تتلون كل يوم، وتتجدد كل حين، وتتزين كل لحظة. أهداف تشبعت بالمعلومات والمعالم العلمية، ساقتها رياح التطور وصففتها سحب الابتكارات المتشكلة بأنواعها الفكرية والعقلية. التكامل الفكري لا يتكامل إلا بالروح المغذية لمعنى سد النقص لكل ما من شأنه أن يعلو ويسمو ويرتقي بالفكر. بالتأكيد لأن كل نقص هو اكتمال من نوع آخر، كل نقص هو في الحقيقة عبارة عن قطعة مفقودة في مكان مجهول، وعلى العقل أن يسارع في البحث عن ذلك المفقود. بمجرد الولوج إلى هذا المفهوم، يكون الاستيعاب قد أخذ حقه في التمكين. وستتوضح بعدها كل معالم الطريق المعرفي السلوكي. هذا الطريق الذي كان يومًا ما مقفرًا وكانت معالمه مبتورة. هذا الطريق السلوكي الذي ترعرع فيه العقل منذ نعومة الأظافر، بل كان يعيش جنينًا في بطن الأم.
إنها الحقيقة المغيبة يا سادة، حقيقة التراكمات وحقيقة مفاهيم سد النقص، ولكن كما أسلفت من نوع آخر. نعم، لا يوجد تكامل بمعناه الحقيقي، ولكن ما تتناوله كلماتي وحروفي هو ما ينقص العمل ليكتمل، وما ينقص الهدف ليرى بوضوح، وما ينقص معالم الطريق ليستنير. عمل أدبي وفكري يشتغل عليه العقل بحرفنة، ولكن هناك ما ينقصه ليكتمل ويتكامل.. هذا هو الهدف الحقيقي لما أحاور به عقلي في هذا المقال. وعقلي هو عقلك أيها القارئ المحترم.
