محمد بن رامس الرواس
إن الاضطرابات التي تشهدها الممرات المائية الاستراتيجية لم تعد مجرد أزمات محلية، بل أضحت عامل ضغط يمس اقتصادات العالم بأسره، بما في ذلك الأطراف المتصارعة ذاتها. لقد أثبتت التوترات في المضائق الرئيسة التي تصل البحار بالمحيطات المفتوحة، شرايينَ للطاقة واللوجستيات، وأن بعض الصراعات تعطل بالفعل سلاسل الإمداد العالمية، مما تسبب في تأخير حركة التجارة الدولية لأسابيع وشهور، مما يصعّد التكاليف التشغيلية، وهو ما يفرض واقعًا جديدًا يتطلب مراجعة شاملة لمفاهيم الأمن البحري في ظل تشابك المصالح الاقتصادية العالمية ووجود موانئ آمنة.
وبلغة الأرقام، أعلنت مجموعة هاباج لويد، شركة الشحن الألمانية العملاقة، أنها تكبدت خسائر إضافية تقدر بنحو 70 مليون يورو أسبوعيًا نتيجة لتغيير مسار السفن وتكاليف الوقود الإضافية، بينما اضطرت شركة ميرسك الدنماركية إلى تحويل مسار رحلاتها بالكامل بعيدًا عن المنطقة وتوجيه السفن حول رأس الرجاء الصالح، مما أضاف بين 10 إلى 16 يومًا لوقت الرحلة، وأدى إلى تضخم تكاليف التشغيل وتراجع أرباح قطاع المحيطات لديها بمئات الملايين. هذا وقد اتخذت شركات كبرى مثل إم إس سي وسي إم إيه سي جي إم خطوات مماثلة بتعليق رحلاتها، مما تسبب في تكلفة إضافية على قطاع الشحن العالمي بلغت نحو 340 مليون يورو يوميًا، وأدى إلى حالة من عدم التوازن العالمي في توزيع الحاويات.
والشرق الأوسط ومنطقة الخليج تحديدًا اليوم يشهدان تحولات جيوسياسية كبيرة، حيث تحول الموقع الجغرافي للمنطقة من مجرد حلقة وصل طبيعية إلى ساحة تنافس استراتيجي بين القوى العظمى. وبينما تسعى الصين من خلال مشروعها العملاق مبادرة "الحزام والطريق" إلى تأمين تدفقات الطاقة وسلاسل الإمداد، تحاول الولايات المتحدة عبر مشاريع الربط التجاري (مثل الممر الاقتصادي بين الهند والشرق الأوسط وأوروبا) موازنة هذا النفوذ. وفي ظل هذا المشهد، تظل المنطقة المركز الحيوي الذي تترقبه دول مثل روسيا والهند وغيرهما لضمان أمن مواردهما واقتصاداتهما.
إن الجغرافيا تمنح سلطنة عُمان ميزة تفاضلية، إلا أن تحويل هذه الميزة إلى واقع مزدهر يتطلب ما هو أكثر من مجرد مسارات وطرق. إن نجاح محور الاستقرار والسلام مرهون بتوافر إرادة سياسية تجمع دول المنطقة، وقدرة إدارية على إدارة المخاطر وتجاوز التحديات الأمنية.
إن المنطقة اليوم أمام فرصة تاريخية لإعادة تعريف دورها؛ فبدلًا من أن تكون ساحة للتنافس الدولي، يمكنها أن تكون شريكًا دوليًا قويًا بفضل البحث عن التكامل الاستراتيجي فيما بينها، عبر شبكات الربط البحري والبري والسكك الحديدية، والانفتاح على أسواق العالم، حيث إن السلام والازدهار لم يعودا خيارًا، بل ضرورة يفرضها الموقع الجغرافي الخليجي الذي يربط قارات العالم ببعضها، مما يمهد الطريق لأهمية وجود نظام إقليمي أكثر استقرارًا وقوة.
يمكننا القول في هذا السياق إن الموانئ العُمانية تكتسب أهمية استراتيجية متصاعدة في ظل التوترات الجيوسياسية في منطقة الخليج، حيث لم تعد مجرد مراكز لوجستية إقليمية، بل تحولت إلى "صمامات أمان" لاستمرارية سلاسل الإمداد العالمية وتجاوز مخاطر الاختناق في مضيق هرمز. ويعد ميناء الدقم الميناء الأهم من حيث الموقع الاستراتيجي، إذ يقع خارج نطاق مضيق هرمز مباشرة على بحر العرب، مما يجعله وجهة مثالية للسفن العملاقة التي ترغب في تفريغ حمولتها بعيدًا عن أجواء التوترات بالخليج. وهو يتمتع بعمق مائي وعمق استراتيجي؛ إذ يمتلك أرصفة عميقة ومساحات شاسعة في المنطقة الاقتصادية الخاصة، مما يؤهله لاستقبال أكبر السفن في العالم.
بينما يُعد ميناء صلالة أكثر الموانئ كفاءة في المنطقة، ويتمتع بموقع جغرافي يجعله نقطة ربط رئيسة بين أسواق آسيا وأفريقيا وأوروبا، بفضل موقعه المطل على المحيط الهندي. ويعمل الميناء كمركز عالمي لإعادة الشحن، مما يجعله بمنأى عن أي إغلاق محتمل للمضيق.
ويأتي ميناء صحار والمنطقة الحرة بصحار، وبرغم قربه من مضيق هرمز، إلا أنه يلعب دورًا مكملًا في الاقتصاد الإقليمي عبر ربط الصناعات الثقيلة والطاقة بالأسواق الدولية. ويركز الميناء على الأنشطة الصناعية والبتروكيماوية، مما يجعله مركزًا لإنتاج وتصدير الطاقة، ويسهم في تعزيز البنية التحتية اللوجستية المتكاملة مع الموانئ الأخرى، مستندًا إلى المرونة الإدارية؛ حيث يعمل الميناء كجزء من منظومة عُمانية متكاملة، وتتيح المناطق الحرة التابعة له ميزة تنافسية للاستثمارات التي تبحث عن الاستقرار القانوني واللوجستي.
وختامًا.. إن نجاح سلطنة عُمان في موازنة علاقاتها الدولية يجعل موانئها ملاذًا آمنًا للاستثمارات التي تخشى تقلبات الأوضاع في الخليج ومحيطه الإقليمي. فالتكامل بين هذه الموانئ -صلالة كمركز عالمي للشحن، والدقم كقاعدة لوجستية خارج المضيق، وصحار كمركز صناعي- يخلق مركزًا اقتصاديًا يضمن للسلطنة قدرة أكبر ودورًا أكبر في السياسة والاقتصاد الإقليمي، وهذا التخطيط الاستراتيجي ليس مجرد رد فعل على الأزمات، بل هو دور محوري تاريخي للسلطنة منذ مئات السنين.
