د. ذياب بن سالم العبري
في عُمان لا يأتي الصيف مجرد فصل ترتفع فيه الحرارة، بل يحضر محمّلًا بذاكرة الأرض وكرم المكان. تتدلى عذوق الرطب بين سعف النخيل كقناديل نضج، وتفوح رائحة الأمبا من البساتين، فيما تمضي الأفلاج بهدوئها العتيق بين القرى، كأنها تروي حكاية الصبر قبل أن تروي ظمأ الزرع.
ورغم أن كثيرين يرونه فصل القيظ والشمس القاسية، فإن له وجهًا آخر لا يدركه إلا المتأمل. فالصيف ليس حرارة فحسب، بل موسم اكتمال تنضج فيه الثمار، وتكشف الأرض حصيلة ما أودع فيها من رعاية وانتظار.
وللشمس في الصيف بلاغتها الخاصة؛ فهي لا تضيء الأشياء فقط، بل تكشفها وتمنحها تمامها. تعلمنا أن النضج لا يولد دائمًا في الظلال، وأن بعض الخيرات والأحلام لا تكتمل إلا بحرارة السعي ومشقة الطريق.
ومن هنا تبدو رمزية الصيف أعمق من كونه فصلًا مناخيًا؛ فهو درس في التحمل والصبر والعمل الصامت؛ فالثمار لا تبلغ حلاوتها فجأة، بل بعد رحلة من الماء والضوء والعناية، وكذلك منجزات الإنسان التي لا تنضج بالأمنيات، بل بالصبر والعمل مهما اشتدت الظروف.
وفي الذاكرة العُمانية يحمل الصيف دفئًا يتجاوز حرارة الطقس؛ فهو موسم الرطب، ومجالس المساء، وعودة الأبناء، ورائحة القهوة، وضحكات الأطفال. وفي القرى، حيث تمتزج ظلال النخيل بصوت الماء، يصبح الصيف ذاكرة اجتماعية وصورة للفرح البسيط الذي تصنعه الأشياء المألوفة.
ولا يعني الاحتفاء بالصيف إنكار مشقته؛ فالحكمة أن يعرف الإنسان متى يواجه الشمس ومتى يلتمس الظل. لكن الظل ليس انسحابًا دائمًا، بل استراحة تعين على مواصلة الطريق. وبين الوهج والظل تتشكل الخبرة، وندرك أن الراحة تزداد جمالًا بعد السعي، وأن القطاف يحلو بعد الانتظار.
ولعل أجمل ما في الصيف أنه لا يخفي شدته ولا يعتذر عن شمسه. يمنح الأرض ما تحتاجه لتكتمل ثمارها، ويمنحنا فرصة لندرك أن وراء كل عطاء صبرًا خفيًا، ووراء كل نضج زمنًا من الاحتمال.
وحين تتدلى عذوق الرطب، وتعبق البساتين والأشجار برائحة الأمبا، والخوخ، والعنب، والبوت، والسفرجل، وتمضي مياه الأفلاج القديمة حاملة ذاكرة المكان، ندرك أن للطبيعة لغتها الهادئة؛ لغة تقول إن النور، مهما اشتد، قد يكون طريقًا إلى الحياة، وإن أجمل الثمار هي تلك التي اكتملت تحت شمس متوهجة.
