أكد الحرص على توجيه الاقتصاد الرقمي نحو القطاعات الاقتصادية ذات القيمة المضافة العالية

الشيذاني لـ"الرؤية": "الاستقلال التقني الاستراتيجي" يُحقق السيادة الرقمية.. و300 مليون ريال استثمارات مُستهدفة

 

 

◄ عُمان تتحول إلى مرحلة "الاقتصاد الرقمي التنافسي" لإنتاج وتصدير الخدمات التقنية

◄ البرنامج الوطني للاقتصاد الرقمي ينتقل من "مؤشرات النضج" إلى قياس الأثر المباشر

◄ "مثلث عُمان الرقمي" مبادرة استراتيجية لتعزيز مكانة عُمان مركزًا إقليميًا للخدمات الرقمية

◄ "منطقة الذكاء الاصطناعي الخاصة" توفر بيئة أكثر مرونة للشركات الناشئة

◄ 200 شركة ناشئة و48 حاضنة ومسرعة أعمال بتمويل يتخطى 127 مليون ريال

◄ عُمان تحظى بموقع تنافسي في مجال استضافة البيانات والخدمات السحابية والتطبيقات العابرة للحدود

◄ هندسة الخدمات ممارسة قائمة بالفعل وليست مجرد توجه مستقبلي

◄ الحكومة نجحت في رقمنة ملايين المعاملات وتبسيط آلاف الخدمات والإجراءات الحكومية

◄ 2.26 مليار سجل بيانات متبادلة عبر المنصة الوطنية للتكامل الإلكتروني

◄ إطلاق أكثر من 33 تطبيقًا ذكيًا في القطاع الحكومي

◄ نحتكم إلى إطار مرجعي وطني لحوكمة استخدامات وتطوير الذكاء الاصطناعي

◄ 79 مليون ريال استثمارات القطاع الخاص في مشروعات الذكاء الاصطناعي

◄ 22 شركة متخصصة في الذكاء الاصطناعي بسلطنة عُمان

◄ تأهيل 11 ألف كفاءة وطنية عبر مبادرة "مكين".. و69% نسبة التعمين في قطاع تقنية المعلومات

◄ نستهدف توفير 14 ألف وظيفة من مبادرات الاقتصاد الرقمي بحلول 2030

◄ نسعى لتوظيف التقنية كرافعة اقتصادية مباشرة لرفع الإنتاجية وتحفيز النمو

 

 

 

الرؤية- مدرين المكتومية

أكد سعادة الدكتور علي بن عامر الشيذاني وكيل وزارة النقل والاتصالات وتقنية المعلومات للاتصالات وتقنية المعلومات، أن سلطنة عُمان وفي إطار مساعيها لتحقيق السيادة الرقمية، تسعى إلى "الاستقلال الاستراتيجي"، من خلال امتلاك الحد الأدنى من القدرات الوطنية التي تضمن استمرارية الخدمات الحيوية، وتحافظ على أمن البيانات، وتمنح الدولة القدرة على اتخاذ قراراتها التقنية دون ارتهانٍ كامل للخارج.

وقال الشيذاني- في حوار خاص مع "الرؤية"- إن المرحلة الثانية من البرنامج الوطني للاقتصاد الرقمي تستهدف رفع المساهمة المباشرة للاقتصاد الرقمي إلى 5% من الناتج المحلي الإجمالي بحلول عام 2030، وصولا إلى 10% بحلول عام 2040. وأضاف سعادة الوكيل أن جهود التحول الرقمي أسهمت في تبسيط آلاف الخدمات والإجراءات الحكومية ورقمنة ملايين المعاملات، بما أدى إلى تقليل الوقت والجهد، وتحسين كفاءة الأداء، وتوفير خدمات أكثر سهولة وترابطا. وأوضح أن عدد سجلات البيانات المتبادلة عبر المنصة الوطنية للتكامل الإلكتروني بلغ نحو 2.26 مليار سجل، ونفذت أنظمة التصديق الإلكتروني أكثر من 203 ملايين طلب للتصديق على هوية المستخدم، إلى جانب إطلاق أكثر من 33 تطبيقًا ذكيًا في القطاع الحكومي. وشدد الشيذاني على أن هذه المؤشرات تعكس التوسُّع في التكامل الرقمي بين المؤسسات الحكومية، وليس مجرد رقمنة الإجراءات بصورة منفصلة.

صور تعبيرية (2).JPEG
 

وإلى نص الحوار...

 

 

** أطلقتم المرحلة الأولى من البرنامج الوطني للاقتصاد الرقمي بتحقيق نتائج ملموسة في مؤشرات دولية مثل الحكومة الإلكترونية والأمن السيبراني والجاهزية الشبكية.. كيف يمكن تحويل هذا التقدم إلى أثر اقتصادي مباشر يشعر به المواطن والمستثمر، خصوصًا وأن مساهمة الاقتصاد الرقمي لا تزال تُقدَر بحوالي 2% من الناتج المحلي؟

يُمثِّل التقدم الذي حققته سلطنة عُمان في مؤشرات الحكومة الإلكترونية والأمن السيبراني والجاهزية الشبكية، خطوةً تأسيسيةً مُهمةً، لكنه بطبيعته يُعد مقياسًا وليس غاية في حد ذاته؛ فالمرحلة المقبلة من البرنامج الوطني للاقتصاد الرقمي تُركِّز على الانتقال من قياس مستوى النُضج الرقمي المؤسسي إلى قياس الأثر الاقتصادي المباشر على النمو والاستثمار والإنتاجية وفرص العمل.

ولتحقيق ذلك، تعمل الحكومة على توجيه الاقتصاد الرقمي نحو القطاعات الاقتصادية ذات القيمة المضافة العالية، مثل الصناعة والخدمات اللوجستية والسياحة والطاقة والتجارة، من خلال تحفيز تبني التقنيات الرقمية والذكاء الاصطناعي والحلول السحابية وتحليل البيانات، بما يرفع كفاءة التشغيل ويخفض التكاليف ويعزز التنافسية.

كما يجري العمل على بناء بيئة جاذبة للاستثمار الرقمي عبر تطوير التشريعات الرقمية، وتمكين الشركات الناشئة، وتوسيع البنية الأساسية الرقمية، وتعزيز مراكز البيانات والخدمات السحابية؛ بما يتيح استقطاب استثمارات نوعية وخلق نماذج أعمال جديدة قائمة على الاقتصاد الرقمي من خلال مجموعة من المبادرات المشاريع الوطنية مثل مبادرة المثلث الرقمي ومنطقة الذكاء الاصطناعي الخاصة.

وفيما يخص مساهمة الاقتصاد الرقمي المذكورة؛ فهي ليست المساهمة الحالية، علمًا أنها تمثل الاقتصاد الرقمي بمفهومه الأساسي وليس الواسع، وتقوم الحكومة حاليًا بقياس المساهمة بمفهومها الواسع، وتجدر الإشارة إلى أن المؤشرات المبدئية تشير إلى تقدم جيد وملموس في المساهمة الحالية، وسيتم الإعلان عن نسبة المساهمة بنهاية عام 2026 بعد الانتهاء من أعمال المسح. علمًا بأن المرحلة الثانية من البرنامج تستهدف رفع المساهمة المباشرة للاقتصاد الرقمي إلى 5% من الناتج المحلي الإجمالي بحلول عام 2030، وصولا إلى 10% بحلول عام 2040.

 

 

 

** الأرقام الرسمية تكشف عن استثمارات خاصة تجاوزت 79 مليون ريال في الذكاء الاصطناعي، و74 مليون ريال في قطاع الفضاء، إلى جانب نمو الشركات الناشئة التقنية.. لكن في المقابل إلى أي مدى أصبحت البيئة التشريعية والاستثمارية في عُمان قادرة فعليًا على جذب شركات تقنية عالمية كبرى، وليس فقط دعم المبادرات المحلية؟

شهدت البيئة التشريعية والاستثمارية في سلطنة عُمان تطورًا ملحوظًًا خلال السنوات الأخيرة، من خلال تحديث الأُطر التنظيمية المرتبطة بالاقتصاد الرقمي، وتسهيل الإجراءات الاستثمارية، وتطوير البنية الأساسية الرقمية، والتوسع في مراكز البيانات والخدمات السحابية، وتعزيز منظومة الأمن السيبراني. وقد شمل ذلك إصدار قانون حماية البيانات الشخصية رقم 6/2022 ولائحته التنفيذية رقم 34/2024، وقانون المعاملات الإلكترونية رقم 39/2025، والإطار التنظيمي لحوكمة وإدارة البيانات الوطنية لعام 2025، إضافة إلى قانون مكافحة جرائم تقنية المعلومات رقم 61/2026. وتمثل هذه العناصر متطلبات أساسية لاستقطاب شركات التقنية العالمية وتمكينها من العمل والتوسع انطلاقا من سلطنة عُمان.

إلا أن جذب الشركات العالمية الكبرى لا يعتمد على الحوافز أو سهولة الإجراءات وحدهما، بل يتطلب تقديم عرض استثماري متكامل يجمع بين البنية الأساسية المتقدمة، والطاقة، والاتصال الدولي، والبيئة التشريعية المرنة، والوصول إلى الأسواق الإقليمية والعالمية. وفي هذا السياق، تأتي مبادرة "مثلث عُمان الرقمي" بوصفها إحدى المبادرات الوطنية الاستراتيجية الموجهة لتعزيز مكانة سلطنة عُمان مركزًا إقليميًا للخدمات الرقمية.

وتهدف المبادرة إلى تطوير 3 مناطق رقمية متباعدة جغرافيًا ومترابطة رقميًا، لتُشكِّل بوابة إقليمية للحوسبة السحابية والذكاء الاصطناعي. وترتكز على مراكز بيانات خضراء، وبنية اتصالية عالمية المستوى عبر الكابلات البحرية وشبكات الألياف الضوئية، إلى جانب بيئة تنظيمية محفزة للابتكار والاستثمار. ومن شأن هذا التكامل أن يعزز قدرة سلطنة عُمان على استقطاب مشغلي مراكز البيانات، ومزودي الخدمات السحابية، وشركات الذكاء الاصطناعي، والمنصات الرقمية العالمية. وفي هذا الإطار، فإن شركات عالمية مثل شركة أمازون ويب سيرفيسز (AWS) وشركة أوراكل (Oracle) تم جذبها لتقديم خدماتها السحابية من سلطنة عُمان.

كما تُمثِّل منطقة الذكاء الاصطناعي الخاصة مسارًا آخر مهمًا، من خلال توفير بيئة أكثر مرونة للشركات الناشئة والمؤسسات المتخصصة في الذكاء الاصطناعي والتقنيات الرقمية المتقدمة، وإتاحة فرص تطوير الحلول وتجربتها وتوسيعها إقليميا وعالميا. وقد سجلت منصة عُمان للشركات الناشئة أكثر من 200 شركة ناشئة، إلى جانب وجود 48 حاضنة ومسرعة أعمال، وتمويل يزيد على 127 مليون ريال عُماني للشركات التقنية الناشئة، بما يعكس تطور البيئة الداعمة لنمو الشركات وجذب الاستثمارات.

ويمنح الموقع الجغرافي لسلطنة عُمان، وارتباطها بشبكات الكابلات البحرية والممرات اللوجستية الدولية، واستقرارها السياسي والاقتصادي، فرصةً لبناء موقع تنافسي في مجال استضافة البيانات والخدمات السحابية والتطبيقات العابرة للحدود، خصوصًا في ظل التوجه العالمي نحو تنويع المواقع الجغرافية للبنية الأساسية الرقمية وتقليل تركزها في أسواق محدودة.

وعليه، فإن المرحلة الحالية تتجاوز دعم المبادرات المحلية، وتتجه نحو بناء منظومة قادرة على جذب الاستثمارات التقنية النوعية وتوطينها، وربطها بالاقتصاد الوطني، ونقل المعرفة، وإيجاد فرص عمل متخصصة، وتمكين الشركات المحلية من الاندماج في سلاسل القيمة الرقمية العالمية. وتستهدف المرحلة الثانية من البرنامج جذب استثمارات تقنية بقيمة 300 مليون ريال عُماني بحلول عام 2030. ومع ذلك، فإن نجاح هذه الجهود سيظل مرتبطا بسرعة تنفيذ المشاريع، وتنافسية الحوافز، ووضوح الأطر التنظيمية، وقدرة سلطنة عُمان على تحويل مزاياها الجغرافية والبنيوية إلى فرص استثمارية قابلة للتنفيذ والتوسع.

 

 

 

** أطلقت الوزارة "مُعين AI" كنموذج لغوي وطني، ضمن جهود تعزيز السيادة الرقمية كهدف استراتيجي.. كيف يمكن لعُمان أن تبني سيادة رقمية حقيقية في عالم تُهيمن عليه شركات التكنولوجيا العالمية العملاقة والبنى السحابية الأجنبية؟ وما حدود الاستقلال التقني الممكنة واقعيًا؟ 

يمثل إطلاق "مُعين AI" خطوة مهمة في مسار بناء القدرات الوطنية في الذكاء الاصطناعي، لكنه في جوهره يعكس توجهًا أوسع نحو تعزيز السيادة الرقمية بوصفها قضية اقتصادية وتنموية وأمنية في آنٍ واحدٍ، وليس مجرد امتلاك تطبيقات أو منصات تقنية محلية.

وفي الواقع، فإنَّ مفهوم السيادة الرقمية اليوم لا يعني الانعزال التقني أو الاستغناء الكامل عن الشركات والتقنيات العالمية؛ لأن الاقتصاد الرقمي بطبيعته قائم على الترابط العالمي وسلاسل القيمة العابرة للحدود. وتعني السيادة الرقمية امتلاك القدرة الوطنية على إدارة البيانات والبنى الرقمية والخدمات الحيوية والتحكم في القرارات التقنية الاستراتيجية، بما يضمن حماية المصالح الوطنية واستدامة الاقتصاد الرقمي.

ومن هذا المنطلق، فإن بناء سيادة رقمية واقعية في سلطنة عُمان يرتكز على عدة محاور متكاملة:

أولًا: تعزيز السيادة على البيانات الوطنية عبر تطوير مراكز البيانات والبنى السحابية داخل سلطنة عُمان، ووضع أطر تنظيمية واضحة لحوكمة البيانات وحمايتها وإدارتها، خصوصا للقطاعات الحيوية والحساسة. وقد حققت البنية الأساسية لمركز البيانات الوطني نسبة توافر بلغت 100% دون انقطاعات، فيما تجاوزت نسبة توافر البنية الأساسية والأنظمة التابعة للسحابة الحكومية 97%، وتم ربط 62 جهة بمُزوِّدي الخدمات السحابية. كما بلغ عدد سجلات البيانات المتبادلة عبر المنصة الوطنية للتكامل الإلكتروني 2.26 مليار سجل، ونفذت أنظمة التصديق الإلكتروني أكثر من 202.9 مليون طلب للتصديق على هوية المستخدم.

ثانيًا: بناء قُدرات وطنية في الذكاء الاصطناعي والتقنيات المتقدمة، ليس فقط على مستوى الاستخدام، بل على مستوى التطوير والبحث والتوطين؛ بما يشمل النماذج اللغوية العربية، والتطبيقات الحكومية، والحلول الموجهة لاحتياجات السوق المحلي والإقليمي، وهو ما يمثله "معين AI" نواة أولية لبناء منظومة معرفية وتقنية وطنية. كما تتضمن توجهات المرحلة الثانية تصنيع وتجميع الخوادم ومعدات البنية السحابية، بما يسهم في تقليل الاعتماد على الموردين الدوليين.

ثالثًا: تنويع الشراكات التقنية الدولية وعدم الاعتماد على مزود واحد أو منظومة تقنية واحدة، بما يُقلِّل المخاطر المرتبطة بالاحتكار التقني أو التبعية التشغيلية، ويمنح سلطنة عُمان مرونة أكبر في إدارة بنيتها الرقمية.

رابعًا: الاستثمار في الكفاءات الوطنية والبحث والتطوير؛ لأن السيادة الرقمية الحقيقية لا تتحقق فقط عبر شراء التقنية، بل عبر امتلاك المعرفة والمهارات والقدرة على الابتكار والتطوير المستقبلي.

ومع ذلك، فمن المهم التعامل بواقعية مع حدود الاستقلال التقني المُمكنة؛ فحتى الدول الكبرى لا تمتلك استقلالًا رقميًا كاملًا في جميع طبقات التقنية؛ سواء في أشباه الموصلات، أو البنى السحابية، أو أنظمة الذكاء الاصطناعي، أو المنصات العالمية. لذلك، فإن الهدف العملي ليس "الاستقلال المطلق"، بل "الاستقلال الاستراتيجي"، أي امتلاك الحد الأدنى من القدرات الوطنية التي تضمن استمرارية الخدمات الحيوية، وتحافظ على أمن البيانات، وتمنح الدولة القدرة على اتخاذ قراراتها التقنية دون ارتهانٍ كامل للخارج.

 

 

 

** رغم الوصول إلى أكثر من 29 مليون معاملة حكومية رقمية، وتبسيط أكثر من 3166 خدمة حكومية، لا يزال البعض يرى أن التحول الرقمي في بعض الجهات يركز على "رقمنة الإجراءات" أكثر من "إعادة هندسة الخدمات".. كيف تُقيِّمون هذا الطرح؟ وما الذي يمنع الانتقال من الحكومة الرقمية إلى الحكومة الذكية الاستباقية بالكامل؟ 

لا يمكن اختزال تجربة التحول الرقمي في سلطنة عُمان في مجرد نقل الإجراءات الورقية القائمة إلى قنوات إلكترونية؛ إذ تبنَّى البرنامج الوطني للتحول الرقمي الحكومي منهجيةً متكاملةً تجمع بين تبسيط الإجراءات، وإعادة هندسة عمليات الخدمات، ورقمنتها، وتحسين تجربة المستفيد.

وتُعد مختبرات "منجم" أحد أبرز النماذج العملية في هذا الجانب؛ حيث تجمع الجهات الحكومية والخاصة ذات العلاقة لمراجعة الخدمة بصورة شاملة، وتحليل رحلة المستفيد من البداية إلى النهاية، وإزالة الخطوات والمتطلبات غير الضرورية، ومعالجة التداخل بين الجهات، وإعادة تصميم الإجراءات قبل رقمنتها. ولذلك، فإن إعادة هندسة الخدمات ليست مرحلة مؤجلة أو توجها مستقبليًا فقط، وإنما ممارسة قائمة بالفعل ضمن برنامج التحول الرقمي الحكومي.

وقد أسهم هذا النهج في تبسيط آلاف الخدمات والإجراءات الحكومية ورقمنة ملايين المعاملات، بما أدى إلى تقليل الوقت والجهد، وتحسين كفاءة الأداء، وتوفير خدمات أكثر سهولة وترابطا. كما بلغ عدد سجلات البيانات المتبادلة عبر المنصة الوطنية للتكامل الإلكتروني نحو 2.26 مليار سجل، ونفذت أنظمة التصديق الإلكتروني أكثر من 203 ملايين طلب للتصديق على هوية المستخدم، إلى جانب إطلاق أكثر من 33 تطبيقًا ذكيًا في القطاع الحكومي. وتعكس هذه المؤشرات التوسع في التكامل الرقمي بين المؤسسات الحكومية، وليس مجرد رقمنة الإجراءات بصورة منفصلة.

أمَّا المرحلة المقبلة، فتتمثل في توسيع هذا النهج وتعميقه، والانتقال بصورة أكبر نحو الخدمات المتكاملة والاستباقية، التي تُقدم بناء على احتياجات المستفيد وأحداث حياته، مع تعزيز التكامل وتبادل البيانات بين المؤسسات الحكومية، بدلا من مطالبة المستفيد بالتنقل بينها أو تقديم البيانات ذاتها أكثر من مرة. كما أن المرحلة المقبلة من التحول الرقمي لن تُقاس فقط بعدد الخدمات الرقمية أو حجم المعاملات؛ بل بمستوى رضا المستفيدين عن الخدمات الحكومية الرقمية، الذي بلغ 78%، وبمدى قدرة الحكومة على تقديم خدمات مترابطة وسلسة واستباقية تقلل العبء الإداري على المواطن والمستثمر، وترفع كفاءة الإنفاق الحكومي، وتحسن جودة الحياة، بما ينسجم مع مستهدفات رؤية "عُمان 2040" في بناء حكومة رقمية ذكية ومرنة ومحفزة للنمو الاقتصادي.

 

 

 

** في ملف الذكاء الاصطناعي، ثمّة توجه واضح نحو توسيع الاستخدامات الحكومية والاقتصادية، لكن عالميًا تتصاعد المخاوف المتعلقة بالأخلاقيات، والخصوصية، وفقدان الوظائف. كيف تُوازِن الوزارة بين تسريع تبنِّي الذكاء الاصطناعي وبين حماية المجتمع وسوق العمل من الآثار الجانبية المُحتملة؟ 

تُدرك الوزارة أن الذكاء الاصطناعي لم يعد مجرد تقنية داعمة، بل أصبح عاملًا مؤثرًا في الاقتصاد وسوق العمل والخدمات العامة. ولذلك، فإن التوجه الوطني لا يقتصر على تسريع تبني تطبيقات الذكاء الاصطناعي، وإنما يقوم بالتوازي على ضمان استخدامها بصورة مسؤولة وآمنة ومستدامة، ضمن رؤية محورها الإنسان.

وفي هذا الإطار، أصدرت الوزارة "السياسة العامة للاستخدام الآمن والأخلاقي لأنظمة الذكاء الاصطناعي"، التي تضع إطارًا مرجعيًا لحوكمة تطوير هذه الأنظمة واستخدامها، بما في ذلك أنظمة الذكاء الاصطناعي التوليدي. وتؤكد السياسة مبادئ الشفافية والعدالة والمساءلة وحماية الخصوصية، وضرورة الإشراف البشري على القرارات المهمة، والحد من التحيز والمحتوى الضار، وضمان أمن الأنظمة وقابلية تفسير نتائجها.

وتتعامل سلطنة عُمان مع الذكاء الاصطناعي باعتباره فرصة اقتصادية وتنموية كبيرة لرفع الإنتاجية، وتحسين جودة الخدمات، وتحفيز الابتكار، مع إدراك التحديات المرتبطة بالخصوصية والأخلاقيات وتأثيرات الأتمتة في الوظائف وطبيعة العمل مستقبلًا. وقد تجاوزت استثمارات القطاع الخاص في مشروعات الذكاء الاصطناعي 79 مليون ريال عُماني، فيما توسعت بيئة الشركات الناشئة لتضم نحو 22 شركة متخصصة في الذكاء الاصطناعي.

ولهذا تعمل الوزارة على تحقيق التوازن من خلال عدة مسارات متكاملة؛ من أبرزها:

  1. تطبيق أطر الحوكمة والضوابط الأخلاقية والفنية المرتبطة بتطوير أنظمة الذكاء الاصطناعي واستخدامها.
  2. تعزيز حماية البيانات الشخصية والخصوصية والأمن السيبراني، وإجراء تقييمات دورية لدقة الأنظمة ومخاطرها وتأثيراتها المحتملة، في إطار منظومة تشريعية تشمل قانون حماية البيانات الشخصية وقانون مكافحة جرائم تقنية المعلومات.
  3. ضمان بقاء الإشراف والتقدير البشري في القرارات المهمة والحالات التي تتطلب أبعادا اجتماعية أو مهنية أو إنسانية.
  4. بناء القدرات الوطنية وتطوير المهارات الرقمية التي يحتاج إليها سوق العمل في ظل التحولات التي يقودها الذكاء الاصطناعي؛ حيث تم تأهيل أكثر من 11 ألف كفاءة وطنية عبر مبادرة "مكين"، كما بلغت نسبة التعمين في الوظائف الفنية والتخصصية والقيادية في قطاع تقنية المعلومات نحو 69%.
  5. دعم إعادة تأهيل القوى العاملة ورفع مهاراتها للانتقال إلى الوظائف والمهن المستقبلية، بدلا من التعامل مع الأتمتة باعتبارها بديلا مباشرا للوظائف الحالية.

كما تعمل الوزارة على المراجعة المستمرة للتشريعات والسياسات ذات الصلة، بما يواكب التطورات المتسارعة في تقنيات الذكاء الاصطناعي، ويسهم في تسريع توطين التطبيقات والحلول الذكية، وتقليل التحديات التنظيمية والقانونية التي قد تحد من الابتكار والاستثمار. وفي موازاة ذلك، تستهدف المرحلة الثانية من البرنامج الوطني للاقتصاد الرقمي إيجاد 14 ألف وظيفة مباشرة من مبادرات الاقتصاد الرقمي بحلول عام 2030، وهو مستهدف يشمل مختلف برامج الاقتصاد الرقمي، وليس الذكاء الاصطناعي وحده.

والهدف في نهاية المطاف ليس الاختيار بين الابتكار والحماية؛ بل بناء منظومة تُتيح الاستفادة الاقتصادية والتنموية من الذكاء الاصطناعي، مع إدارة مخاطره وضمان أن يبقى أداة لتعزيز قدرات الإنسان ودعم قراراته، لا لإقصائه من منظومة العمل والخدمات.

 

 

 

** المرحلة الثانية من البرنامج الوطني للاقتصاد الرقمي، ستُركِّز على "رقمنة القطاعات الاقتصادية"، وليس فقط الخدمات الحكومية.. ما القطاعات التي تعتقدون أنها ستكون نقطة التحول الكبرى للاقتصاد العُماني خلال السنوات الخمس المقبلة؟ وهل يمكن أن نرى قطاعات تقليدية مثل اللوجستيات والطاقة والسياحة تتحول إلى منصات رقمية تُصدِّر خدماتها وتقنياتها للخارج؟

المرحلة الثانية من البرنامج الوطني للاقتصاد الرقمي تمثل تحولًا مهمًا في فلسفة التحول الرقمي نفسها، لأنها تنتقل من التركيز على رقمنة الخدمات الحكومية إلى رفع نضج الرقمنة في القطاعات الاقتصادية المختلفة، وتوظيف التقنية كرافعة اقتصادية مباشرة لرفع الإنتاجية وتحفيز النمو وخلق أسواق وفرص جديدة. وهذا التوجه يعكس قناعة بأن القيمة الحقيقية للاقتصاد الرقمي لا تتحقق فقط من خلال تحسين الخدمات، وإنما من خلال إعادة تشكيل القطاعات الاقتصادية وإنتاج نماذج أعمال جديدة قائمة على البيانات والتقنيات المتقدمة.

وقد وضعت المرحلة الثانية مستهدفات واضحة لقياس هذا التحول بحلول عام 2030، تشمل رفع نضج رقمنة القطاعات الاقتصادية المستهدفة إلى 85%، ورفع مساهمة الاقتصاد الرقمي المباشرة في الناتج المحلي الإجمالي بما يعادل 5%، وجذب استثمارات تقنية بقيمة 300 مليون ريال عُماني، إلى جانب إيجاد 14 ألف وظيفة مباشرة، وإضافة 100 شركة ناشئة وصغيرة ومتوسطة جديدة إلى السوق، وإدراج 5 شركات من قطاع الاتصالات وتقنية المعلومات في السوق العام أو السوق الثانوي.

وفي تقديري، فإن القطاعات الأكثر قدرة على إحداث نقطة تحول للاقتصاد العُماني خلال السنوات المقبلة هي القطاعات التي تمتلك ميزات تنافسية طبيعية أو بنية أساسية قوية يمكن تعزيزها رقميًا، ومنها: قطاع اللوجستيات وسلاسل الإمداد، والقطاع الصناعي والتصنيع الذكي، وقطاع الطاقة والطاقة المتجددة والتعدين، وقطاع السياحة.

فعلى سبيل المثال، تمتلك سلطنة عُمان موقعًا استراتيجيًا وبنية لوجستية متقدمة تؤهلها لأن تتحول من مجرد مركز عبور تقليدي إلى منصة رقمية متكاملة للخدمات اللوجستية الذكية، من خلال توظيف الذكاء الاصطناعي وتحليل البيانات وإنترنت الأشياء والتتبع الذكي والتخليص الرقمي وإدارة الموانئ الذكية. وهذا التحول لا يرفع الكفاءة التشغيلية فقط، بل يفتح المجال أيضًا لتصدير الحلول والخدمات الرقمية اللوجستية إلى الأسواق الإقليمية.

وفي قطاع الطاقة، فإن التحول الرقمي أصبح عنصرًا أساسيًا في إدارة الشبكات الذكية والطاقة المتجددة وكفاءة الاستهلاك والصيانة التنبؤية وإدارة البيانات الصناعية. ومع توسع مشاريع الهيدروجين الأخضر والطاقة النظيفة، تمتلك سلطنة عُمان فرصة لبناء منظومة رقمية متقدمة مرتبطة بالطاقة يمكن أن تتحول مستقبلًا إلى مصدر للخبرات والحلول التقنية.

أما في السياحة، فإن القيمة المستقبلية لن تكون فقط في الترويج التقليدي، وإنما في بناء تجربة سياحية رقمية متكاملة تعتمد على البيانات والمنصات الذكية والخدمات الرقمية والتخصيص المدعوم بالذكاء الاصطناعي؛ بما يُعزِّز تنافسية القطاع عالميًا ويرفع مساهمته الاقتصادية.

ومن هنا، فإن نجاح المرحلة الثانية سيعتمد على قدرة سلطنة عُمان على دمج التقنية في سلاسل القيمة الاقتصادية، وتحويل البيانات إلى أصل اقتصادي منتج، وبناء شركات وطنية قادرة على تطوير وتصدير الحلول الرقمية، وليس فقط استهلاكها. وهذا ما يمكن أن ينقل سلطنة عُمان من مرحلة "التحول الرقمي المحلي" إلى مرحلة "الاقتصاد الرقمي التنافسي" القادر على إنتاج وتصدير الخدمات والتقنيات والمعرفة إلى الأسواق الإقليمية والدولية.

تعليق عبر الفيس بوك

الأكثر قراءة

z