هل عالجت التفاهمات الأمريكية الإيرانية التوجسات في واشنطن وتل أبيب؟

 

 

 

د. محمد جعفر **

 

أثارت مذكرة التفاهم المبدئية والتهدئة التي جرى توقيعها مؤخرًا بين الولايات المتحدة وإيران لإنهاء المواجهة العسكرية المباشرة، وحل أزمة مضيق هرمز، موجة واسعة من التحليلات والتسريبات في كبريات الصحف ومراكز الفكر الغربية والإسرائيلية. وتركز هذه القراءة على سؤال جوهري: هل نجحت هذه التفاهمات في معالجة "التوجسات الوجودية" والأهداف الاستراتيجية التي دخلت واشنطن وتل أبيب الحرب من أجلها، أم إنها مجرد تأجيل لموجة أكبر من الصراع في الشرق الأوسط؟

فيما يلي تحليل لأبرز هذه التوجسات وكيف عالجتها الوثيقة:

 

أولًا: الملف النووي الإيراني: تفكيك الخطر أم تأجيله؟

كان كبح جماح الطموح النووي الإيراني، ومنع طهران من إنتاج "اليورانيوم عالي التخصيب" بنسبة 60% أو الوصول إلى عتبة السلاح النووي، هو الهدف الأول والمباشر للضربات الأمريكية-الإسرائيلية.

تُشير التسريبات والتحليلات الغربية إلى أن التفاهمات الحالية حققت اختراقًا مؤقتًا، لكنها تركت "معضلة المستقبل" دون حل جذري. هل سيتم التفكيك بمساعدة دولية كما صرّح نائب الرئيس الأمريكي، فانس، بأن الاتفاق يتضمن بندًا رئيسيًا يتعلق بـ"تفكيك اليورانيوم عالي التخصيب بالتعاون بين الوكالة الدولية للطاقة الذرية وواشنطن"، أم ستُبقي البنية التحتية للمشروع النووي الإيراني دون مساس؟ فقد ألمح بعض المحللين إلى بروز "فجوة تفسيرية"؛ نقلتها وسائل إعلام غربية وإيرانية، وعلى أن المواد والمنشآت ستبقى داخل إيران، وأن الرئيس ترامب صرّح بأنه "لا يرى ضرورة ملحة لإخراج المواد النووية من إيران في المرحلة الحالية، وأن هذه الخطوة يمكن أن تتم لاحقًا". بل نصت الوثيقة صراحة على أن المخزون عالي التخصيب سيتم تخفيفه (down-blending) في الموقع نفسه وتحت إشراف الوكالة الدولية للطاقة الذرية. ونشير هنا إلى أن اتفاق القاهرة بين طهران والوكالة قد أحدث اختراقًا مهمًا في هذا الصدد، سمح بزيادة الرقابة وفتح باب العودة إلى المفاوضات التقنية.

ويشكك الخبراء في عمق هذا الحل؛ حيث أشار تقرير لمجلس العلاقات الخارجية الأمريكي إلى أن: "التفاصيل هنا هي المحك.. ما زال من غير الواضح كيف ستكون طبيعة التفتيش والتحقق، وماذا يعني تفكيك المنشآت التي استُهدفت بالفعل في موجات القصف السابقة".

 

ثانيًا: نفوذ "محور المقاومة" وأمن إسرائيل الإقليمي

دخلت إسرائيل هذه الحرب مدفوعة بتوجس استراتيجي يتعلق بإنهاء "طوق النار" المحيط بها (حزب الله، وأنصار الله (الحوثيون)، والفصائل في العراق وسوريا). وفقًا للتقارير الغربية، فإن التفاهمات عالجت الشق المتعلق بوقف إطلاق النار الفوري وسحب القوات الإسرائيلية من جنوب لبنان، لكنها لم تضمن تفكيكًا كاملًا لقدرات هذه الفصائل؛ إذ يشير معهد دراسات الحرب الأمريكي (ISW) في تحليله لنتائج الصراع إلى أن إيران نجحت جزئيًا في فرض واقعها وخلق معادلة ردع جديدة بقوله: "النظام الإيراني حاول عبر استخدام القوة فرض واقع استراتيجي جديد؛ بحيث يكون أي هجوم أمريكي أو إسرائيلي مستقبلي على شركائها الإقليميين مكلفًا للغاية سياسيًا واقتصاديًا. طهران ترى في المحور، وتحديدًا حزب الله، الركيزة الأساسية لردعها المستقبلي".

ولهذا السبب، ساد الصمت والوجوم الأوساط السياسية في تل أبيب؛ حيث وصفت تقارير إعلامية الاتفاق بأنه "كابوس الاتفاق السيئ" الذي طالما تخوفت منه إسرائيل؛ لأنه يُعيد تثبيت نفوذ إيران مع منحها شرعية إقليمية متجددة، ويُبقي على التهديد الصاروخي مستقرًا على حدودها مقابل الهدوء. لذا سارعت تل أبيب إلى إعلان أنها غير موقعة على المذكرة وتحتفظ بحق الرد، إلا أن مراكز الفكر الغربية -مثل مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية (CSIS)- تؤكد أن استمرار إسرائيل في العمليات العسكرية منفردة سيضعها في مواجهة فيتو مباشر وضغوط سياسية غير مسبوقة من إدارة ترامب التي تريد إغلاق ملف الحرب قبل انتخابات التجديد النصفي الخريف المقبل. غير أن نتنياهو لن يستطيع التوقف على كل الجبهات حتى لا يتبخر سياسيًّا.

 

ثالثًا: أمن الملاحة الدولية ومضيق هرمز

بينما كان تأمين تدفق الطاقة العالمي عبر مضيق هرمز والبحر الأحمر دافعًا رئيسًا للتدخل الأمريكي، جاءت الترتيبات المؤقتة لتمنح طهران أوراق ضغط جيوسياسية إضافية بدلًا من تحجيمها. فقد وضعت التفاهمات الحالية ترتيبات مؤقتة لفتح المضيق، لكنها منحت إيران أوراق قوة إضافية؛ إذ تفيد التسريبات المنشورة في الصحف الغربية بأن إيران ستتولى إدارة حركة المرور في المضيق، بل وستحصل على "رسوم مرور" لاحقًا، مما يعني اعترافًا ضمنيًا بنفوذها هناك. وقد جاء نص الاتفاق متماهيًا مع هذه التحليلات؛ إذ نص على أنه: "ستبذل الجمهورية الإسلامية قصارى جهدها لتوفير المرور الآمن للسفن التجارية مجانًا لمدة 60 يومًا فقط.. وستجري الجمهورية الإسلامية الإيرانية حوارًا مع سلطنة عُمان لتحديد الإدارة والخدمات البحرية المستقبلية في مضيق هرمز..." وهذا يعطي بالطبع إيران الحق في تحصيل رسوم خدمات، إن لم يكن تحصيل رسوم مرور.

لذا ترى مراكز الفكر الغربية أن هذه التفاهمات لم تنهِ التهديد؛ بل حولته إلى أداة ضغط سياسي. وجاء في تقرير لمعهد دراسات الحرب (ISW): "إيران ترى في السيطرة على مضيق هرمز مكونًا أساسيًا في استراتيجية الردع المستقبلية.. التهديد بتعطيل التجارة البحرية سيظل قائمًا لفرض تكاليف اقتصادية على الغرب في أي مفاوضات نهائية".

 

رابعًا: الحسابات السياسية الأمريكية الخاطئة

تؤكد التحليلات الغربية أن رغبة إدارة ترامب الصارمة في تجنب الانزلاق إلى حرب إقليمية استنزافية شاملة في الشرق الأوسط، بل وصمود إيران النسبي، هي التي منحت طهران فرصة لفرض شروط قاسية في مذكرة التفاهم؛ بما يشمل المطالبة برفع العقوبات وتأسيس صناديق لإعادة الإعمار.

لذا وجهت مؤسسة تشاتام هاوس (Chatham House) البريطانية العريقة انتقادات حادة للمقاربة الأمريكية، واصفة إياها بسوء الحسابات الاستراتيجية. وجاء في تحليلها أن: "الرئيس الأمريكي بدأ حربًا في الشرق الأوسط دون التفكير في المخاطر التي يمكن توقعها.. ومذكرة التفاهم الأمريكية مع إيران تترك العديد من تداعيات ذلك الحساب الخاطئ دون معالجة".

كما تحدثت عن فجوة الثقة بقولها: "المفاوضات تظهر أن الولايات المتحدة وإيران نادرًا ما تكونان في الكفة نفسها، ومع ذلك يُطلب من الأسواق واللاعبين الإقليميين تصديق أن المفاوضات قد تجاوزت المنعطف الصعب".

في الأخير.. يُجمع المحللون ومراكز الفكر على أن "مذكرة التفاهم" لم تقدم حلولًا جذرية للتوجسات الوجودية لواشنطن وتل أبيب؛ بل اكتفت بـ"تجميد الصراع" وضخ مهدئات مؤقتة في جسد الإقليم. نعم نجحت التفاهمات في وقف نزيف الحرب المباشرة وفتحت الممرات المائية مؤقتًا، لكنها تركت إيران محتفظة ببنيتها النووية الأساسية، وبنفوذها الإقليمي عبر شبكة وكلائها، مما يجعل الأمن في المنطقة معلقًا على "اختبار نوايا ممتد وهش".

فلماذا إذن دخلت أمريكا وحليفتها الحرب؟!

 

** كاتب وباحث

تعليق عبر الفيس بوك

الأكثر قراءة

z