محمد بن أنور البلوشي **
في حياة الإنسان لحظات قليلة تتجاوز حدود الزمان والمكان، وتصبح درسًا عميقًا في فهم الذات والحياة. ومن بين تلك اللحظات، كانت الليلة التي قضيتها في مزدلفة أثناء أداء فريضة الحج هذا العام. قد يظن البعض أن المبيت في مزدلفة مجرد شعيرة من شعائر الحج يؤديها الحاج ثم يمضي إلى بقية المناسك، لكنني وجدت فيها ما هو أبعد من ذلك بكثير؛ وجدت فيها درسًا فلسفيًا وإنسانيًا يصعب أن تمنحه لنا المدارس أو الجامعات أو حتى سنوات طويلة من القراءة.
حين وصلت إلى مزدلفة بعد يوم عرفة، نظرت حولي فرأيت مشهدًا لم أره من قبل بهذه الصورة الواضحة. ملايين البشر افترشوا الأرض والتحفوا السماء. لا فنادق فاخرة، ولا مكاتب خاصة، ولا مقاعد لكبار الشخصيات. لا أحد يسأل الآخر عن منصبه، ولا عن رصيده البنكي، ولا عن جنسيته أو قبيلته أو لونه. الجميع متساوون أمام حقيقة واحدة: أنهم بشر.
في تلك اللحظة تذكرت كيف يقضي الناس حياتهم في سباق لا ينتهي. سباق نحو المال، والمناصب، والمظاهر، والعلامات التجارية، والعقارات، والسيارات الفارهة. يعيش كثير منا وكأنه في منافسة دائمة لإثبات التفوق على الآخرين. لكن في مزدلفة سقطت كل هذه الحواجز فجأة. أصبح الوزير والعامل، والغني والفقير، والأستاذ والطالب، ينامون على الأرض نفسها، ويتشاركون الهواء نفسه، وينتظرون شروق الشمس نفسها.
هنا بدأت أتساءل: إذا كانت كل هذه الفوارق تختفي في ليلة واحدة، فكم هي حقيقية تلك الفوارق التي نبني عليها حياتنا كلها؟
لقد أقنعنا العالم الحديث بأن قيمة الإنسان تُقاس بما يملك لا بما هو عليه. وأصبحت المجتمعات الاستهلاكية تروج لفكرة أن السعادة يمكن شراؤها، وأن النجاح يُقاس بحجم الراتب أو عدد الممتلكات. لكن مزدلفة قدمت لي درسًا مختلفًا تمامًا. هناك لا قيمة لبطاقة مصرفية، ولا أهمية لساعة ثمينة، ولا معنى لثوب فاخر. القيمة الوحيدة التي تبقى هي قيمة الإنسان نفسه.
إن الرأسمالية الحديثة، رغم ما حققته من تقدم اقتصادي وتقني، دفعت الإنسان في كثير من الأحيان إلى النظر إلى نفسه والآخرين كأرقام في سوق كبير. أصبح الفرد يُقيَّم وفق إنتاجيته وقدرته الشرائية، وكأن وجوده مرتبط فقط بما يستهلكه أو يملكه. أما في مزدلفة، فإن الإنسان يعود إلى صورته الأولى؛ كائنًا بسيطًا يحتاج إلى مساحة صغيرة من الأرض لينام عليها، وقليلًا من الماء ليشربه، وقلبًا مطمئنًا ليشعر بالسلام.
ولعل أجمل ما في تلك الليلة أنها أعادت ترتيب الأولويات. هناك أدركت أن كثيرًا من الصراعات التي نخوضها في حياتنا اليومية ليست سوى أوهام صنعناها بأيدينا. نختلف على المناصب، ونتنافس على المكاسب، ونحمل في قلوبنا الحسد والغيرة أحيانًا، ثم تأتي لحظة مثل مزدلفة لتخبرنا بأن النهاية واحدة، وأن الإنسان مهما علا شأنه سيعود في النهاية إلى الأرض نفسها التي نام عليها ملايين الحجاج تلك الليلة.
لقد كتب الفيلسوف اليوناني ديوجين أنه كان يبحث عن الإنسان الحقيقي وسط ازدحام الناس. وأظن أنني وجدت شيئًا من ذلك الإنسان في مزدلفة. هناك لا توجد أقنعة اجتماعية كثيرة، ولا مجال كبير للتفاخر. الجميع متعبون، والجميع يرجون الرحمة، والجميع يدركون ضعفهم الإنساني المشترك.
ما تعلمته من تلك الليلة أن المساواة ليست شعارًا سياسيًا ولا فكرة نظرية، بل حقيقة يمكن أن يعيشها الإنسان ويشعر بها. تعلمت أن الكرامة الإنسانية لا تُشترى بالمال، وأن الاحترام لا ينبغي أن يُمنح بناءً على الثروة أو النفوذ. وتعلمت أيضًا أن الإنسان كلما اقترب من البساطة اقترب أكثر من نفسه.
عندما أشرقت شمس اليوم التالي وغادر الحجاج مزدلفة، عاد كل واحد إلى رحلته. لكن شيئًا ما بقي عالقًا في الذاكرة. بقي ذلك المشهد العظيم الذي جمع البشر تحت سماء واحدة، بلا امتيازات ولا حواجز. وبقي ذلك السؤال الفلسفي الذي لا يزال يرافقني حتى اليوم: لماذا نُصرّ على تقسيم أنفسنا في الحياة، بينما نتساوى جميعًا في أهم لحظاتها؟
كانت ليلة واحدة فقط، لكنها كانت كافية لتذكرني بأن الإنسان أغلى من كل ما يملك، وأن القيمة الحقيقية لا تكمن في الثروة أو السلطة أو الشهرة، بل في التواضع والرحمة والوعي بحقيقتنا المشتركة كبشر.
هذه هي الحكمة التي حملتها معي من مزدلفة؛ ليست حكمة دينية فحسب، بل حكمة إنسانية تصلح لكل زمان ومكان.
** محاضر الاقتصاد بجامعة التقنية والعلوم التطبيقية
