الخليج بعد الحرب.. من منطق الصدام إلى هندسة التوازنات الجديدة

 

 

 

مرتضى بن حسن بن علي

 

لم تعد دول الخليج تنظر إلى ما يجري في المنطقة باعتباره أزمة عابرة يمكن احتواؤها بالحلول التقليدية؛ بل باتت تدرك أنها أمام مرحلة تاريخية جديدة تعيد رسم خرائط النفوذ والتحالفات وموازين الأمن في الشرق الأوسط؛ فالحرب الأخيرة -بما حملته من استنزاف اقتصادي وعسكري وتوترات غير مسبوقة- دفعت العواصم الخليجية إلى إعادة التفكير في أولوياتها الاستراتيجية، ليس من زاوية الانتصار والهزيمة، وإنما من زاوية "إدارة المخاطر" ومنع الانفجار الكبير.

وفي هذا السياق، يبدو أن المشهد الخليجي في مرحلة ما بعد الحرب سيتجه نحو تبريد الصراعات، إذا لم يستطع إنهاءها، وإعادة ترتيب العلاقات الإقليمية على قاعدة البراغماتية السياسية والاقتصادية، بعيدًا عن الشعارات الحادة أو الاصطفافات المطلقة.

 

أولًا: الخليج وإيران.. من الخصومة إلى "فصل المسارات"

أحد أبرز التحولات المتوقعة يتمثل في طبيعة العلاقة الخليجية الإيرانية؛ فمن غير المرجح أن تتجه دول الخليج إلى سياسة فرض الشروط القاسية أو الدخول في مواجهة مفتوحة مع طهران، لأن التجارب السابقة أثبتت أن أي انفجار عسكري جديد ستكون كلفته باهظة على الجميع، خصوصًا في منطقة ترتبط فيها الطاقة والتجارة والأمن البحري بمصير اقتصادي واحد.

ولهذا، يبدو أن المرحلة المقبلة ستقوم على سياسة يمكن وصفها بـ"فصل المسارات"؛ أي استمرار الخلافات السياسية والأمنية في بعض الملفات، مع إبقاء قنوات الحوار والتعاون الاقتصادي مفتوحة؛ فالجغرافيا هنا ليست خيارًا يمكن تغييره، بل قدر استراتيجي دائم. ودول الخليج، على الأرجح، باتت أكثر اقتناعًا بأن الاستقرار الإقليمي لا يتحقق عبر القطيعة، وإنما عبر "الدبلوماسية الوقائية" التي تمنع المنطقة من التحول إلى ساحة تصفية حسابات بين القوى الكبرى.

ومن المتوقع أيضًا أن تنمو المصالح الاقتصادية المتبادلة بين الخليج وإيران باعتبارها "صمام أمان" ضد الانفجار. فكلما ارتبطت الاقتصادات الإقليمية بحركة التجارة والطاقة والممرات البحرية، ارتفعت كلفة الحرب على الجميع، وهو ما يدفع السياسة تدريجيًا نحو لغة أكثر هدوءًا، حتى لو بقيت الملفات الأمنية الحساسة دون حلول نهائية.

 

ثانيًا: الوجود الأمريكي.. شراكة مستمرة، ولكن بشروط مختلفة

أما على مستوى العلاقة مع الولايات المتحدة، فمن المستبعد أن تتجه دول الخليج إلى المطالبة بإغلاق القواعد العسكرية الأمريكية بشكل كامل؛ لأن المظلة الأمنية الأمريكية لا تزال تمثل عنصرًا رئيسًا في معادلة الردع الإقليمي. لكن ما سيتغير هو "شكل العلاقة" لا أصلها؛ فالسنوات الأخيرة كشفت لدول الخليج مخاطر الاعتماد المطلق على طرف واحد، ولذلك ستتجه بصورة أكبر نحو تنويع الشراكات الدولية؛ سواء مع الصين أو روسيا أو قوى آسيوية أخرى، في إطار سياسة توازن أكثر مرونة.

وفي الوقت نفسه، قد تسعى بعض الدول الخليجية إلى فرض قيود سيادية أكثر وضوحًا على استخدام أراضيها وقواعدها العسكرية في أي عمليات هجومية قد تستجلب ردودًا انتقامية مباشرة ضد منشآتها العسكرية أو المدنية أو الاقتصادية، كما حدث في مراحل سابقة من التوتر الإقليمي.

بمعنى آخر، ستبقى الشراكة مع واشنطن قائمة، لكنها لن تكون "شيكًا مفتوحًا" كما في السابق.

 

ثالثًا: العلاقة مع إسرائيل.. من الحماس السياسي إلى البرود الحذر

الحرب الأخيرة، على الأرجح، غيّرت أيضًا طبيعة النظرة الخليجية إلى ملف التطبيع مع إسرائيل. فبعد مرحلة من الزخم السياسي والإعلامي، دخل الملف في حالة "تباطؤ محسوب"، خاصة مع تصاعد الغضب الشعبي العربي بسبب الحرب في غزة وتداعياتها الإنسانية والسياسية والاقتصادية.

ولذلك، فإن أي تقدم مستقبلي في العلاقات الخليجية الإسرائيلية، وخصوصًا بالنسبة لعُمان والسعودية، سيصبح مرتبطًا بصورة أكبر بوجود مسار جاد وملموس نحو حل القضية الفلسطينية، وليس مجرد ترتيبات أمنية أو اقتصادية منفصلة.

أما الدول التي أقامت علاقات بالفعل مع إسرائيل، فمن المرجح أن تحافظ على هذه العلاقات، ولكن ضمن إطار أكثر هدوءًا وبراغماتية، بحيث تتحول إلى علاقة "وظيفية" ذات طابع أمني وتقني واقتصادي، بعيدًا عن الاحتفاء السياسي العلني الذي كان سائدًا في بعض المراحل؛ فالخليج اليوم يدرك حساسية الرأي العام الداخلي، كما يدرك أن أي اندفاع غير محسوب قد يمنح إيران أوراقًا إضافية لاستثمارها سياسيًا وإعلاميًا.

 

رابعًا: هل يولد جيش خليجي موحد؟

رغم وجود بعض الأصوات التي تنادي بـ"الجيش الخليجي الموحد"، إلّا أن الواقع يشير إلى أن دول الخليج لا تتجه نحو إنشاء جيش واحد بالمعنى التقليدي، بقدر ما تتجه نحو بناء منظومة دفاعية متكاملة تقنيًا واستخباراتيًا؛ فالخطر الأكبر اليوم لم يعد الجيوش التقليدية، بل الطائرات المسيّرة والصواريخ الباليستية والهجمات السيبرانية، وهو ما يتطلب تنسيقًا عالي المستوى في أنظمة الدفاع الجوي والإنذار المبكر وتبادل المعلومات الأمنية.

وفي هذا الإطار، تعكس المناورات الخليجية المشتركة، مثل "درع الخليج 2026"، توجهًا متزايدًا نحو التكامل الدفاعي والتقني، مع بقاء القرار العسكري النهائي بيد كل دولة وفق حساباتها السيادية الخاصة. بمعنى أن الخليج يتجه نحو "وحدة دفاعية مرنة" لا نحو دولة عسكرية موحدة.

 

الخليج الجديد.. اقتصاد أولًا

في المحصلة النهائية، يبدو أن الخليج في مرحلة ما بعد الحرب سيسعى إلى تقديم نفسه كـ"جزيرة استقرار اقتصادي" وسط شرق أوسط مضطرب؛ فالهدف الرئيسي للعواصم الخليجية خلال السنوات المقبلة لن يكون خوض المعارك، بل حماية مشاريع التحول الاقتصادي الكبرى المرتبطة بالرؤى المستقبلية وما بعدها، التي تحتاج إلى بيئة مستقرة لجذب الاستثمارات والسياحة والتكنولوجيا.

ولهذا، فإن المعادلة الخليجية الجديدة قد تقوم على 3 عناوين رئيسة: هدوء محسوب مع إيران، وشراكة متوازنة مع الولايات المتحدة، وحذر سياسي في العلاقة مع إسرائيل.

إنها ليست مرحلة تحالفات صلبة بقدر ما هي مرحلة "إدارة توازنات"؛ حيث لم يعد الهدف تحقيق انتصار كامل على الخصوم؛ بل منع انهيار الاستقرار الإقليمي الذي بات يمثل المصلحة العليا للجميع.

الأكثر قراءة

z