د. يوسف الشامسي **
لا تكاد توجد مهنة ذات أثر مباشر في حياة الناس إلا وتحكمها معايير مهنية وأخلاقية تنظم أداء منتسبيها وتؤطر حدود مسؤولياتهم؛ فالطبيب ملزم بمعايير الممارسة الطبية، والمهندس يخضع لمعايير السلامة والجودة، وهكذا سائر المهن، ولا تختلف ضوابط الصحافة عن غيرها في هذا الصدد؛ إن لم تفقها أهمية، فهي مهنة تتعامل مع المعلومات والأفكار والقضايا العامة التي تؤثر في تشكيل الرأي العام وصناعة الوعي؛ فثمة مواثيق وأكواد مهنية وأدلة تحريرية لكل مؤسسة على الصحفي المنتسب أن يلتزم بها، هذا إن لم يكن قد تلقّنها من كليّات الإعلام وحفظها عن ظهر قلب.
بيد أن شيئًا ما يتآكل من تلك الصورة المثالية التي تروّج لها هذه المعايير حينما يبدأ الصحفي يخوض غمار الممارسة الفعلية، حين تضيق المساحة وتتكالب الضغوط وتتداخل الأجندات في غرف الأخبار، من هذا التناقض يطرح الصحفي عادل الحمداني مقالته المُثرية: "الخبر: بين الحياد المستحيل والموضوعية الممكنة". عبارة يستعيرها من الصحفي المصري حسين عبدالغني، لكنه يوظّفها كمحور لمقالته نابع من ثلاثة عقود في قلب المطابخ الإخبارية. وما يميز هذه المقالة أنها آتية من داخل التجربة وتفاصيلها المُضنية لا من متأمّل يرى المهنة عن بعد، وهو ما يمنح أطروحته نبضًا يفتقر إليه كثير مما يُكتب في هذا الشأن.
يقيم الحمداني تمييزًا جوهريًا بين مفهومين طالما أُسقط أحدهما على الآخر في النقاشات المهنية والأكاديمية؛ فالحياد، في رأيه -الذي يتوافق وأغلب أدبيات الإعلام والصحافة- وهمٌ ميتافيزيقي لا يمكن تحقيقه أنطولوجيًا؛ لأن الصحفي بشرٌ يحمل خلفيته، وجنسه، وقيمه وتاريخه الشخصي، وهذه لا تتلاشى عند دخوله غرفة التحرير. أما الموضوعية، فهي في نظره منهجٌ إجرائي قابل للتطبيق يقوم على ضبط الذات والاستناد إلى الحقائق الموثّقة وتعدد المصادر. هذا التمييز هو ما يُتيح للصحافة أن تواصل ادعاء الشرعية المهنية في خضمّ انفجار إعلامي يصعب فيه تقييد غالبيتها بأي ضوابط ومعايير.
يتوقف الحمداني عند مفهوم "الانتقائية " في تشخصيه للموضوعية، التي يصفها بأنها "أولى مراحل التحيز المهني"؛ إذ إن اختيار الصحفي لما يستحق النشر هو في جوهره حكمٌ قيمي يسبق كتابة السطر الأول. وهذه ذات الملاحظة التي وثّقها غاي تاكمان (1978) في دراسته " اكتشاف الأخبار"، حين بيّن أن الموضوعية لا تعدو كونها "طقسًا استراتيجيًا" تلجأ إليه المؤسسات الإعلامية لحماية نفسها من المساءلة. غير أن فضل الحمداني أنه يعيد هذه الفكرة إلى لغة المهنة وتضاريسها اليومية، بعيدًا عن تجريديتها في الحقل الأكاديمي.
بيد أن ما يطرحه الحمداني يستدعي مُساءلة نقدية لا تنقص من قيمة مبادرته، بل تُعمِّقها. ذلك أن الإشكال الأكبر الذي يُبقيه المقال معلّقًا هو سؤال: موضوعية من؟ وبأي معايير؟ ولصالح أيّ بنية اجتماعية؟ فمشكلة الانتقائية غالبا لا تنبع من قصور أخلاقي أو مهني فردي كما يوحي الكاتب، بل هي بنيوية بامتياز؛ فثمة محددات هيكلية تحكم عتبة "قيمة الخبر" من قواعد المؤسسة وتوجّهات المالك وضغوطات المعلنين والتنافس على الجمهور.
غياب هذا البُعد البنيوي يُحيل الإشكالية إلى مجرد ضعف مهني قابل للإصلاح بـ"الالتزام" و"ضبط الذات"، في حين أن الأمر أعمق من ذلك. فحتى بولتر ليبمان في أطروحته "الرأي العام" (1922) -الذي استشهد به الحمداني- عند حديثه عن الصورة الذهنية "النمطية" يؤكد أن الإطار الإدراكي المسبق للصحفي كثيرا ما "يتوسط" بينه وبين الواقع حتى قبل أن يبدأ ذلكم الصحفي في "ضبط ذاته"، وهذه النظرة تقوّض أي زعمٍ بالموضوعية وإمكانية تحققها. هذا فضلا عمّا كشفه إدوارد هرمان وناعوم تشومسكي في كتابهما الشهير " صناعة الإذعان" (1988) من أن "الموضوعية" قد تكون ذاتها آليةً لإعادة إنتاج الهيمنة، لا لسوء طوية الصحفيين، ولكن بسبب البنى المؤسسية التي تُشكّل إدراكهم قبل أن يُمسكوا بأقلامهم. ولسيت انتقائية الخوارزميات اليوم في الإعلام الرقمي إلا شكل من أشكال الهيمنة المؤسسية التي أعادت تعريف الانتقائية بحيث لم تعد قرارًا تحريريًا بشريًا، وهذا ما يجعل زعمنا بـ"إمكانية الموضوعية" أمرًا يحتاج إلى تدقيق أكبر مما يمنحه إياه المقال.
يُشير الحمداني كذلك لمبدأ "التوازن" بوصفه بديلًا عمليًا حين يتعذر الحياد. وهذا طرح مفهوم وشائع في الأدبيات المهنية، إلا أنه ينطوي على معضلة معروفة في فلسفة الصحافة يُشار إليها بـ"التكافؤ الزائف"؛ فإعطاء صوت متساوٍ لرأيين غير متكافئين معرفيًا أو أخلاقيًا قد يُشوِّه الواقع بقصد تحقيق توازنٍ موهوم. وفي هذا السياق تحديدًا يُسهم الباحث البريطاني إيفور غابر إسهامًا استثنائيًا في ورقته البحثية "ثلاث هتافات للذاتية: انهيار ركائز الحكمة الصحفية السبع" (2008). فبدلًا من إنقاذ الموضوعية بتخفيف شروطها كما يُميل إليه الحمداني، يذهب غابر إلى اقتراح بديل أكثر صدقًا، يُحلّ فيه "الشفافية" محل الحياد، و"العدالة" محل التوازن، مُقرًّا بأن الصحفي يرى دائمًا من زاوية، لكنه مطالَب بالإفصاح عن تلك الزاوية بدلًا من ادّعاء أنه يرى من كل الزوايا في آنٍ واحد. ويُفكّك غابر بمنهجية لاذعة تلك المسلّمات السبع التي طالما تشدّق بها الصحفيون التقليديون، موضحًا كيف أن الإيمان بالوصول إلى موضوعية مُحكمة قد يكون في حد ذاته أشد خطورة من الاعتراف الصريح بالذاتية، لأنه يُخدّر آليات المراقبة الذاتية لدى الصحفي. هنا لا أقصد تصويب أو تخطئة أحدهما؛ فالرجلان يتحدثان من سياقين مختلفين، وما يصح في بيئة إعلامية غربية ذات تعددية مؤسسية لا يُطبّق بالضرورة على بيئات إعلامية تعاني شُح الاستقلالية. ومن هنا تكتسب دعوة الحمداني إلى الموضوعية مشروعيتها النسبية في سياقه.
ولعل أجدى ما يمكن استخلاصه من قراءة الحمداني في ضوء هذه الأدبيات هو أن مقالته تصحّ كمنطلق للمراجعة لا كنهاية مسلّمة. فما يُرسيه من تمييز بين الحياد والموضوعية خطوة ضرورية، غير أن خطوةً ثانية لا غنى عنها هي السؤال عن طبيعة تلك الموضوعية المنشودة: هل هي معيار إجرائي يُعترف فيه بالذاتية ويُعمل على تحييد آثارها بقدر المستطاع، كما يقترح غابر -مع اختلاف المسميّات بالطبع؟- أم أنها سقفٌ طوباويّ مهني مرفوع يلهم الصحفي دون ضرورة تحقيقه وتحقّقه كما يرى كوفاتش وروزنستيل في عمدة تأليفهما "عناصر الصحافة"؟
الحمداني يميل إلى الخيار الثاني، وهو خيار يمتلك قوته الدافعة في الحقل المهني؛ لكن الأكاديميين يذكّروننا بأن رفع السقف دون مراجعة الأساس قد يُنتج شرعية زائفة تخدم -من حيث لا يقصد أصحابها- الأجندات التي تدّعي الوقوف ضدها. والخلاصة التي يمكن أن يلتقي عليها الطرفان هي أن المعايير الصحفية ينبغي أن تكون -أكثر من أي وقت مضى- موضعًا للنقاش والمراجعة المأسسة على الواقع، ومنطلقًا لتحقيق عدالة أكثر صدقًا وشفافية أكثر جرأة.
** أكاديمي بقسم الإعلام الجماهيري بجامعة التقنية والعلوم التطبيقية بنزوى
