ترجمة: أنور الخنجري **
في وقت سابق من هذا العام، أتيحت لفريق دريزنر فرصة زيارة سلطنة عُمان، وكانت تجربة لافتة بكل المقاييس؛ فالسلطنة تجمع بين الطبيعة الخلابة والإرث الدبلوماسي الهادئ الذي جعلها وسيطًا موثوقًا بين الأطراف المتنافسة في الشرق الأوسط، وهو دور ينسجم مع مكانتها كقوة متوسطة تسعى إلى تحقيق التوازن في منطقة تعج بالأزمات والتوترات.
غير أن هذه السمعة الإيجابية لم تحل دون تعرض عُمان مؤخرًا لانتقادات حادة من إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب. فقد أشارت الصحفية فيفيان نيريم، في تقرير نشرته صحيفة نيويورك تايمز: إلى أن تهديد ترامب بقصف عُمان، الحليف الأمريكي القديم، أثار دهشة واسعة، حتى إن البعض اعتقد أنه أخطأ في التعبير وكان يقصد إيران. إلا أن الوقائع أوحت بأن المقصود كان السلطنة بالفعل.
ومع احتدام التوترات الإقليمية على خلفية الحرب الأمريكية-الإسرائيلية مع إيران، وجدت عُمان نفسها تحت ضغط متزايد من واشنطن، وفي موقع يختلف عن مواقف بعض جيرانها الخليجيين حيث يرى بعض المحللين أنها أكثر تقاربًا مع طهران.
وفي هذا السياق، يقول الأكاديمي العُماني عبدالله باعبود: "التمسك بموقع الوسطية ليس أمرًا سهلًا دائمًا؛ فواشنطن تنظر إلى الأمور غالبًا بمنطق: إما أن تكون معنا أو ضدنا، بينما تحرص عُمان على تجنب هذا النوع من الاستقطاب".
ولا يعكس هذا المنطق الثنائي طبيعة الخطاب السياسي المرتبط بـ"لنجعل أمريكا عظيمة مجددًا" فحسب؛ بل يسلط الضوء أيضًا على التحدي المتزايد الذي تواجهه القوى المتوسطة في عالم يتسم بتصاعد المنافسة بين الولايات المتحدة والصين.
ويُعد هذا التحول حديثًا نسبيًا. فخلال الحرب الباردة ومعظم فترة ما بعدها، تمتعت القوى المتوسطة بقدر كبير من الاستقلالية والمرونة في إدارة سياساتها الخارجية. وفي كثير من الحالات، استطاعت الدول التي تحتل مواقع جيوسياسية محورية أن تستفيد من التنافس بين القوى العظمى، وأن توظفه للحفاظ على حرية حركتها واستقلال قرارها.
لكن هذا الواقع، بحسب زميلي مايكل بيكلي من جامعة تافتس، آخذ في التغير؛ ففي مقال حديث نشره في مجلة «فورين أفيرز»، يرى بيكلي أن القوى المتوسطة في مختلف أنحاء العالم باتت تواجه معضلة شبيهة بتلك التي تواجهها عُمان اليوم. ويرى بيكلي أن هذه القوى لا تزداد بروزًا لأنها أصبحت أكثر قوة، بل لأنها أصبحت أكثر انكشافًا؛ فالظروف التي سمحت للعديد منها بالازدهار خلال العقود الماضية بدأت تتآكل تدريجيًا. ولسنوات طويلة، استطاعت هذه القوى أن تحتمي تحت مظلة الهيمنة الأمريكية، وأن تستفيد من اقتصاد عالمي آخذ في التوسع، وأن تتاجر مع أطراف متنافسة دون أن تضطر إلى الانحياز لأي منها. وبعبارة أخرى، كانت تتمتع بمزايا النظام الدولي دون أن تتحمل أعباء قيادته.
أما اليوم، فقد تغيَّر المشهد بصورة ملحوظة. فقد تباطأ النمو الاقتصادي العالمي، وتحولت العولمة إلى منافسة شرسة على سلاسل الإمداد ونقاط الاختناق الاستراتيجية، بينما أصبحت القوى الكبرى أكثر استعدادًا لاستخدام نفوذها لتحقيق مكاسب سياسية واقتصادية. فالولايات المتحدة باتت أكثر ميلًا إلى توظيف تفوقها لانتزاع تنازلات من الآخرين، في حين تستخدم الصين مزيجًا من الدعم الحكومي والصادرات الضخمة والاستثمارات والبنية التحتية والديون لتعزيز نفوذها الخارجي، إلى جانب أدوات الضغط الاقتصادي والعسكري. ونتيجة لذلك، لا يتجه العالم نحو مزيد من التعددية التي تمنح القوى المتوسطة مساحة أوسع للحركة، بل نحو بيئة أكثر صرامة تمتلك فيها القوى الكبرى وسائل أكبر لفرض إرادتها على الآخرين.
كما لم تعد القوى المتوسطة قادرة على انتزاع امتيازات القوى العظمى بالسهولة التي كانت تتمتع بها في السابق؛ فخلال الحرب الباردة، كان للولاء الأيديولوجي قيمة كبيرة، وكانت الدول الأضعف تُعدّ أحجار دومينو رمزية، أو قواعد عسكرية، أو مناطق عازلة على امتداد خطوط الصدع بين الكتلتين الأمريكية والسوفيتية، ما منحها قدرة تفاوضية للحصول على المساعدات والأسلحة والدعم السياسي. وقد لعبت دول مثل مصر والهند وباكستان ويوغوسلافيا هذا الدور بمهارة. كما دعمت القوتان العظميان حلفاءهما من القوى المتوسطة بصورة مباشرة. فقد زودت الولايات المتحدة اليابان وكوريا الجنوبية وتايوان وألمانيا الغربية برأس المال والتكنولوجيا وإمكانية الوصول إلى الأسواق، بينما تغاضت عن السياسات الحمائية التي انتهجتها تلك الدول لحماية صناعاتها الناشئة. أما الاتحاد السوفيتي، فقد حافظ على تماسك كتلته من خلال توفير الطاقة الرخيصة والتجارة التفضيلية والائتمانات والأسلحة والمساعدات، وهي تحويلات اقتصادية بلغت قيمتها عشرات المليارات من الدولارات سنويًا.
غير أن التنافس الأمريكي-الصيني الراهن يختلف جذريًا عن ذلك النموذج؛ فواشنطن وبكين لا تبنيان نظامين عالميين منفصلين كما كان الحال خلال الحرب الباردة، بل تتنافسان داخل اقتصاد عالمي واحد مترابط. ولم يعد الهدف الأساسي كسب أكبر عدد ممكن من الحلفاء، بل السيطرة على الشبكات والأنظمة الحيوية التي يعتمد عليها الآخرون، من التكنولوجيا والتمويل إلى الطاقة والمعادن والبيانات وسلاسل النقل.
ومن هذا المنطلق، يجادل بيكلي بأن القوى المتوسطة ستجد نفسها مُضطرة في نهاية المطاف إلى اختيار أحد النظامين المتنافسين إذا لم تتمكن من بناء قوة ذاتية كافية أو تشكيل تكتلات مستقلة قادرة على موازنة النفوذ الأمريكي والصيني.
غير أن هذه الحجة ليست محل إجماع. ففي الحقيقة، لست متأكدًا تمامًا من موافقتي على تقييم بيكلي بأن الولايات المتحدة والصين ستجبران الجميع على الانحياز لأحد الطرفين. فمن جهة، يعترف بيكلي نفسه "بأن بعض القوى المتوسطة الكبرى، مثل الهند، قد تحتفظ بهامش مناورة أوسع من غيرها،" ما يعني أن بعض القوى المتوسطة ستتمتع بقدر من الاستقلالية في أي نظام ثنائي القطب.
لكن الاعتراض الأهم يتعلق بالفرضية الأساسية التي تقوم عليها حجته، وهي أن الولايات المتحدة والصين تخوضان منافسة عالمية شاملة هدفها استقطاب أكبر عدد ممكن من الحلفاء. فهذه الفرضية لا تنسجم بالكامل مع ما نشهده على أرض الواقع.
ويتجلى ذلك بوضوح في أفريقيا جنوب الصحراء. فقد خلص الباحث دان كوباياشي إلى أن الحكومة الأمريكية تصرفت عمليًا كما لو أنها أبرمت "اتفاق عدم منافسة" في مساحات واسعة من القارة، وهو ما أتاح للصين توسيع نفوذها بصورة كبيرة.
إن عدم اهتمام إدارة ترامب بأفريقيا جنوب الصحراء أمر بحد ذاته، لكن الأهم هو أن إحجامها عن منافسة الصين بشكل مباشر يضعف الفرضية التي تقوم عليها حجة بيكلي، والمتمثلة في وجود تنافس ثنائي قطبي شامل يدفع جميع الدول إلى الاصطفاف.
ويتعزز هذا الانطباع من خلال تطورات السياسة الأمريكية تجاه الصين خلال السنوات الأخيرة؛ فالحقيقة أنه منذ تحقيق الصين ما يمكن وصفه بانتصار استراتيجي في الحرب التجارية مع الولايات المتحدة، أصبحت إدارة ترامب أكثر مرونة في تعاملها مع بكين. وكما أشرتُ قبل بضعة أسابيع، فإن اللافت هو حجم الأولوية التي منحتها الإدارة الحالية للعلاقة الاقتصادية الثنائية مع الصين مقارنة بسائر الملفات الأخرى، وهو ما لا يُعد موقفًا متشددًا على الإطلاق.
وقدّم إدوارد وونغ، في تقرير نشرته صحيفة نيويورك تايمز، بعض الأدلة التي تدعم هذا الاستنتاج؛ إذ بعد لقائه مع كبير الدبلوماسيين الصينيين في ماليزيا خلال الصيف الماضي، أدلى وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو بتصريح لم يحظ باهتمام كبير آنذاك، لكنه أسهم لاحقًا في تمهيد الطريق لتحول مهم في العلاقات الثنائية.
فقد قال روبيو إن الولايات المتحدة والصين تمتلكان "فرصة لتحقيق قدر من الاستقرار الاستراتيجي" وإيجاد مجالات للتعاون. ثم عاد واستخدم العبارة نفسها في فبراير أثناء حديثه عن الصين في منطقة الكاريبي، دون أن يثير ذلك اهتمامًا يُذكر.
وسرعان ما التقط المسؤولون الصينيون هذه التصريحات، واقترحوا على نظرائهم الأمريكيين استخدام لغة أكثر تفاؤلًا لوصف العلاقات بين البلدين، وفقًا لمصدرين مطلعين على هذه الجهود الدبلوماسية التي لم يُكشف عنها سابقًا.
وفي نهاية المطاف، تبنت الحكومتان مصطلح "الاستقرار الاستراتيجي البنّاء" خلال الاجتماع الذي جمع الرئيس ترامب بالرئيس الصيني شي جين بينغ في بكين الشهر الماضي.
ورغم أن هذه اللغة تبدو رسمية وغامضة إلى حدٍ ما، فإنها تحمل دلالات سياسية مهمة؛ فهي تُرسل إشارة إلى المؤسسات في البلدين وإلى بقية دول العالم بأن أكبر اقتصادين وأقوى قوتين عسكريتين على وجه الأرض تتجهان نحو إدارة خلافاتهما والحد من التوترات بينهما، خصوصًا في ملفات التجارة وتايوان؛ بل إن بعض المسؤولين الحاليين والسابقين في الولايات المتحدة وآسيا يذهبون إلى أبعد من ذلك، معتبرين أن الرسالة الضمنية تتمثل في استعداد واشنطن لتقديم تنازلات معينة للصين، وأن على الدول الأخرى التكيف مع هذا الواقع الجديد.
وفي ضوء هذا المسار، لا تبدو معضلة القوى المتوسطة في شرق آسيا مطابقة لتلك التي وصفها بيكلي. فالسؤال لم يعد بالضرورة: هل ينبغي الانحياز إلى الولايات المتحدة أم إلى الصين؟ بل ربما أصبح سؤالًا مختلفًا تمامًا: إلى أي مدى ينبغي للدول أن تربط مصيرها بالولايات المتحدة في وقت تبدو فيه الولايات المتحدة نفسها أكثر استعدادًا للتقارب مع الصين؟
******
** بقلم: دانيال دبليو دريزنر – نشرة دريزنر الإلكترونية
