الخيال الواقعي للعقل والواقع الخيالي للمنطق

 

 

 

 

ماجد بن علي الهادي

"يُمكِن للإنسان أن يتعطل مثل السفينة، والمرساة هي الوعي، شيء حزين أن يكون من الممكن أن يتكسر الوعي". فيكتور هوغو.

حين يستحضرك الوعي فستكون أمام خيارين، إما أن يلقي بعقلك في مهاوي الإدراك المخيف، وإما أن يرقى بك في سماوات السمو والعزة. يستحضرك قبل أن توجه له دعوة الحضور، ويستبق الإحساس لديك كي يوقعك في اصطدام الأفكار في عقلك. فترى المواقف على صورها الحقيقية، وتلمس الأحداث بشفافية الوضوح. لن تستطيع الفرار أمام المعركة التي أنت بصدد خوضها. معركة بين النفس والعقل، بين الإدراك واللامبالاة، بين الخضوع وشراسة المقاومة. ستدخل في معمعة لم تحسب لها حسابًا، هذه المعمعة محملة بأثقال ماضيك وحاضر عالمك المعاش، الذي ستجده مرتبطًا بحياتك الخاصة، مع أنه لا علاقة له بك! سترى نفسك في معنى كل حدث يفرزه فم هذا العالم الغريب العجيب، بتصرفات ناسه، وبأفعال سكانه، وبأفكار أجياله المتعاقبة. ستعيش بنبض عقلك، المتراكمة في أحشائه أحداث ارتسمت يومًا ما وأنت جنين في بطن أمك.

هذا التعايش المتجانس والمتنافر في آنٍ، هو المرآة العقلية التي صنعتها خلايا عقلك العصبية. كنت تجهل ذلك في ريعان عمرك، وكنت غافلًا عن تلك الحقائق (المدركة من عقلك الباطن، والغريبة لعقلك الظاهر). معادلات وحسابات علمية ونفسية معقدة، حتى وأنت تعيش بعقلك الناضج، ستتضبب المفاهيم في محاور تفكيرك، وستترمد الأفكار في سيرورة إدراكك. لأن عقلك جزء من واقعية الصور المنطقية، وتفكيرك انعكاس لكل ما هو حقيقي وملموس. لذلك فالتفاعل يكون بين الضدين (الخيال الواقعي للعقل، والواقع الخيالي للمنطق). بمعنى أن ما يدركه العقل يصعب عليك تفسيره أو مسايرته، رغم أنه منطقي، لكنك في دخيلة نفسك يتصور بالخيال، والمنطق يعاكس الخيال، رغم أن الخيال لا يؤمن به؛ لأنه يظهر في صورة ضبابية غير مدركة. لا نرى الهواء لكننا نشعر به ونتحسسه، لا تدرك عقولنا لونه أو شكله أو صورته، هو واقعي لكن عقلنا لا يستطيع أن يتصوره... وهكذا. تتوقف عن التفكير في لحظة إدراك عميقة.. تخاف من ارتدادات عقلية ونفسية متماوجة في بحر معرفي بلا قعر ولا قاع. تخاف من (لعنة الوعي) التي ترددها بعض العقول التي مارست الغوص في البحور العلمية المعرفية العميقة. تدرك حينها لماذا أُلصقت به هذه اللعنة، تفهم حينئذ بأن هناك حدودًا للتفكير، وخطوطًا حمراء للإدراك، لا يمكنك تجاوزها، وإلا فإنك سترى نفسك متجانسًا مع منزوع العقل والإدراك، ذلك المخلوق الذي ميزك الله سبحانه وتعالى عنه بحكمته حين أكرمك بالعقل.

إن الشعور المزدوج والمؤلم بالإدراك العميق، يتماهى مع الإحساس المرهف الذي تستشعره الروح وتحاكي به الإلمام الذهني. فتبدأ تتسع المدارك لترى الحقائق، والنوايا، وعيوب الذات بوضوح تام؛ هذا الوضوح هو النقلة النوعية لكل التصرفات والسلوكيات المبنية على النوايا. لأنها ستتحول (أي النوايا) إلى مرتكزات سلوكية وأخلاقيات مستوطنة في كل فعل ورد فعل. الاستحضار الواعي هو الديدن الذي تفنده النفس لمبدأ الوعي، وهو المساحة الممتدة بين المعقول واللامعقول. فاللامعقول يُفند وفق المصفوفة المستحيلة إن كان المنطق يستشرفه المفهوم، والمعقول تتعايش معه الحكمة حسب معايير الحياة الموزونة بعدالة معادلات الحياة. صقل المفهوم لا يتأتى بالقراءة والاطلاع فحسب، بل يتفاعل أيضًا بالاستماع وينمو بالإنصات.

صقل الوعي يُشحذ من خلال الاصطدامات المعرفية التي تتكاثر في بيئة النقاشات والحوارات، تلك التي تكون مصادرها الثقافات المختلفة، الثقافات المؤسسة من قبل عقول رأت في تياراتها التاريخية كنوزًا من المعارف والعلوم. توارثتها عقول وتناقلتها منهجيات، فانبثق منها ما هو مغذٍ للعقل وصاقل له. أغلب هذه العقول أوجدت لها مكانًا في صفوف المناهج العلمية، كما أنها واكبت المتغيرات في الحياة، ومن خلال المواكبة حافظت على صمودها لمواجهة (لعنة الوعي). استخدمت ذكاءها في ابتكارات مفيدة، واستثمرت نباهتها في نقاشات وحوارات مفيدة. ونتج عن ذلك الإدراك الحقيقي لمعنى الوعي، والإدراك الصحيح لمعنى المفهوم، والإدراك الواقعي لمعنى الاتزان الفكري؛ فحافظت على سلامة عقولها من تلوث سموم الأفكار المزيفة، ولم يفرض عليها الوعي أكثر من خيار؛ بل هو طريق واحد سلس مرن ينتهي بالمعقول والمفهوم والمدرك الصحيح. تركت ما هو غير مفهوم للمجهول يلتهمه، وما هو غير مدرك للاوعي يتلبسه ويتعايش معه.

تعليق عبر الفيس بوك

الأكثر قراءة

z