وجوديّ الحال من المحال

 

 

 

 

عائض الأحمد

الوجودية ليست وصفة للحياة، ولا قالبًا جاهزًا يُلبس للإنسان ثم يُعاد تدويره مع كل ظرف. من يظن أن للحياة معاني جاهزة، يرتديها متى شاء ويخلعها متى ملّ، فهو يسيء فهم الوجود نفسه. فالإنسان لا يُولد بتعريفٍ مكتمل، ولا بفكرٍ ثابتٍ يُعاد إنتاجه أينما حلّ، بل يُلقى به في عالم مفتوح، ثم يبدأ في تشكيل معناه بنفسه. والقلق، والخوف من المستقبل، واتساع الخيارات ليست قيودًا تُنقص الحرية، ولا ضمانات تُثبتها؛ بل هي حالة انكشاف أمام قيمة الاختيار نفسه، حيث يصبح كل قرار فعلًا مسؤولًا، لا مجرد ردّ فعل على معنى جاهز مسبقًا.

وفي هذا الانكشاف، يبدو الوجود كأنه حالة من المحال الذي يُعاش.

وحين يُنسب الفعل إلى صاحبه، خيرًا كان أو شرًا، فإن السؤال لا يكون عن النتيجة وحدها، بل عن مصدرها: من أين جاء هذا الفعل؟ وكيف تشكّل في وعيه؟ وما ذنب التجربة حين تُحمَّل ما لم تقصده، أو تُفسَّر بما لم تنطق به؟ فالعثرات ليست مجرد انكسارات عابرة، بل صيغٌ تتشكل حين تلامس الواقع المعاش، فتتحول إلى أفعال تُقرأ بطرق مختلفة من فرد إلى آخر. نتفق أو نختلف في تأويلها، لكن المحصلة النهائية يفرضها الواقع ذاته، بأزمنته وأمكنته المتبدلة.

وفي نهاية هذا التكوّن المتصدّع بين الفعل وتأويله، تتشكل العلاقات الإنسانية لا كقوالب ثابتة، بل كمساحات يُعاد فيها تعريف الإنسان نفسه؛ فمرة يرتديها كامتداد لفلسفته، ومرة يكسرها حين تضيق عليه، كأن الوجودي لا يسكن علاقة اجتماعية واحدة، بل يعبرها دون أن يفقد حقه في الانسحاب منها أو إعادة صياغتها.

ومن هنا، لا تكون مفاهيم الصواب والطاعة والمألوف نفيًا للحرية أو إلغاءً للمسؤولية، بل يمكن أن تكون إطارًا لفهمهما. غير أن التوتر يبدأ حين تُقدَّم هذه المفاهيم كقوالب جاهزة تُلقَّن للإنسان دون أن تُفهم أو تُعاش داخل تجربته. عندها لا تُولد كمعانٍ واعية، بل كأوامر مغلقة، فينشأ داخل الإنسان انقسام خفي؛ لا لأنه يرفضها بالضرورة، بل لأنه لا يجد رابطًا داخليًا يدمجها مع تكوينه. فتغدو أقرب إلى شيء مفروض من الخارج، يجاوره ولا يسكنه، فيتأرجح بين امتثالٍ بلا وعي، وتساؤلٍ لم يُسمح له أن يكتمل.

لها: اخترت الوجودية، وابتعدت عن يقينٍ موروثٍ لم يعد يشبهني، مؤمنًا بحريتي ومسؤوليتي.

شيء من ذاته: لم ألقَ لومًا على الظروف، ولم أستحسن تبعية أحد، قررت واخترت لإرضاء نفسي ومن أحب.

نقد: وصلت إلى إيمان كامل بأنني المسؤول الوحيد عما يحدث لي، ولعل وحدتي شاهدة لي وعلي.

الأكثر قراءة

z