ما الذي تخبرنا به الجروح؟!


حسين الراوي

أرسل لي الصديق الأستاذ حاتم حمد الطائي رئيس تحرير صحيفة الرؤية العمانية، خبر تم نشره في “الرؤية” يوم 8 يونيو 2026، مُلخصه أن تحقيقاً صحفياً بعنوان؛ “ما الذي تخبرنا به الجروح؟” (What the Wounds Are Telling Us) أعده الصحفيان الهولنديان مَود، وويليم فينسترا ونُشر في صحيفة “دي فولكسكرانت” الهولندية، جائزة التقرير المتميز ضمن جوائز الصحافة الأوروبية 2026.

وكشف التحقيق، الذي اعتمد على شهادات 17 طبيبًا وممرضًا دوليًا عملوا في غزة، عن نمط متكرر لإصابة أطفال دون 15 عامًا بطلقات نارية منفردة في الرأس أو الصدر، مع توثيق أكثر من 114 حالة. وصف التحكيم العمل بأنه “استثنائي في ظروف استثنائية” لتوثيقه الدقيق للأثر الإنساني للحرب.

ذلك التحقيق “ما الذي تخبرنا به الجروح؟”، تقرير مؤلم جداً، يكشف ويؤكد ويفضح الوحشية والقسوة العمياء التي يتلقاها أطفال فلسطين على أيدي الصهاينة.

وذلك التقرير أعاد ذاكرتي للوراء 18 سنة وشهران وأيام قليلة، يوم أن كتبت مقالاً تم نشره في يوم 7 أبريل 2008، في صحيفة الراي الكويتية، بعنوان “عُذراً نوّير”.

ذلك المقال كان محوره طفلة كويتية لم يتجاوز عمرها العاشرة، اسمها نوّير راشد السبيعي، سقطت عليها واستقرت في جمجمتها طلقة نارية طائشة، كانت منطلقة من أحد الأعراس التي كانت مُقامة في إحدى الساحات الترابية، أثناء لعبها قرب مقهى شعبي، في منطقة أبو حليفة.

بعد أيام قليلة من الحادثة، زرت نوّير وهي في العناية المركزة، ولقد رأيتها وهي فاقدة الوعي، ووجهها ورأسها متورمان، فذرفت عيناي الدمع، ثم قبلت وانصرفت.

وبفضل الله تم القبض على مُطلق النار، الذي تسبب في إصابة الطفلة نوّير، وذلك بعد أيام قليلة على الحادثة.

ولأنه تعذر إجراء عملية إخراج الرصاصة في الكويت خشية تلف الأعصاب والأنسجة في رأسها، نُقلت نوّير إلى لندن لإجراء العملية الجراحية. ولقد نجحت العملية بفضل الله، وخضعت لعلاج هناك لعدة أشهر.

ثم عادت نوّير إلى الكويت، وفي المطار استقبلها أهلها وأحبابها بالفرح والزغاريد، ولقد تمنيت أن أكون من بين الذين استقبلوها، لكني كنت في تلك الأيام في جزيرة سانتوريني في اليونان.

أترككم مع المقال.
عُذراً نوّير

إلى نوير، تلك الطفلة البريئة التي قبلتها على خدها وهي في غرفة العناية المركزة ممددة متأرجحة بين الحياة والموت، إلى نوير التي كانت تلعب بكل وداعة وقلب مُشرع للأحلام فأهداها أحدهم رصاصة استقرت في منتصف رأسها! 

عذراً نوير… بعضنا لا تهمه الطفولة ولا يلتفت لها، ولا يحسب لجيلها أي حساب إنساني! 
عذراً نوير بعضنا في الأعراس لا يفكر إلا كيف يستعرض رجولته وفحولته عبر طلقات نارية يرسلها نحو السماء لتسقط على رؤوس الأبرياء مثلك! 
عذراً نوير… بعضنا يعتقد أنه كلما تعالى صوت «الكلاشنيكوف» وتطايرت منه مئات الأعيرة النارية الطائشة القاتلة، كان العرس مباركاً سعيداً تتحدث عن فخامته الركبان! 
عذراً نوير… إن جهلنا وعقلياتنا وسذاجتنا والفوضوية التي تسكننا تأبى إلا أن نغتال وجهك الأبيض وقلبك الأبيض وأيامك البيضاء وروحك البيضاء! 
عذراً نوير… فأنت الآن بين الحياة والموت تتأرجحين، أنت الآن في الألم، في اللاوعي، في الضياع، في الحيرة، في آلاف التكهنات، وصاحب تلك الطلقة التي استقرت في جمجمتك كان يأكل ويشرب ويتكلم ويضحك ويزور فلاناً وفلاناً ويقود سيارته وينام بكل دم بارد وصفاقة وجه! 
عذراً نوير… إن سألت عنك زميلاتك اللاتي سيفتقدنك في الحارة وفي المدرسة، عندما لا يبقى لهن عندنا إجابة سوى غصة مؤلمة بالحلق ودمعة حارقة في العين! 

عذراً نوير… لوالدتك التي كانت تمشط شعرك وهي تغني لك أجمل أغاني البادية، وهي تقول في نفسها: غداً ستلبسين ثوب الزفاف الأبيض وتكونين أجمل عروس رأتها عيناي! 
عذراً نوير… لوالدك أبو راشد الذي طالما قبل وجنتيك واحتضنك بدفء الأبوة، وكساك رحمة وحباً، وأتى لك بفستان وألعاب وحذاء العيد! 
عذراً نوير… لكل أقاربك الذين كانوا يستمتعون بشقاوتك البريئة، عذراً لهم إن لم يعودوا يستمتعون برنات ضحكاتك التي كانت أجمل من العصافير والفراشات في السهول الخضراء! 

عذراً نوير… لطفولتك، عذراً لبراءتك، عذراً لبياضك، عذراً لصديقاتك، عذراً لألعابك، عذراً لدفاترك، عذراً لأحلامك، عذراً لسريرك، عذراً لأهلك وأحبابك! 
عذراً نوير… فأنا لا أملك أي شيء أقدمه لك سوى سطوري هذه والدعاء لك، وتلك القبلة التي وضعتها على خدك.

تعليق عبر الفيس بوك

الأكثر قراءة

z