د. شيرين النوساني
لم يكن الوصول إلى اللغات الأجنبية يومًا بهذه السهولة، لكن الترجمة الحقيقية ربما لم تكن يومًا أكثر تعرضًا لسوء الفهم كما هي اليوم. فكلما ازدادت الأدوات قدرةً على إنتاج النصوص، ازدادت الحاجة إلى التمييز بين من ينقل الكلمات ومن يترجم المعاني، وبين من يمتلك لغتين ومن يمتلك الوعي الذي يجعل من الترجمة فعلًا معرفيًا وحضاريًا.
لقد باتت الترجمة، في عصر الوفرة الرقمية، متاحة للجميع، غير أن هذا الانفتاح لم يأتِ دون ثمن. فقد أصبح من اليسير أن يطلق أي شخص يعرف لغتين على نفسه صفة «المترجم»، وأن يعرض أعماله في الفضاء الرقمي وفي سوق النشر دون معايير حقيقية للكفاءة. والحقيقة أن الإشكال لا يكمن فيمن يترجم وصفة طعام أو رسالة شخصية أو نصًا بسيطًا لتلبية حاجة يومية مشروعة، بل يبدأ حين يُعامَل النص الأدبي أو الفكري أو القانوني أو الديني بالمنطق نفسه؛ فتُبتر الإحالات التاريخية، وتُسطَّح المجازات، وتضيع الموسيقى الداخلية للجملة، ويغيب الوعي بوظيفة النص وسياقه. وعندئذٍ تفقد الترجمة رسالتها الحضارية، ويغدو الناقل خصمًا للنص بدلًا من أن يكون وسيطًا أمينًا له.
وإذا عدنا إلى تجربة محمد علي ورفاعة الطهطاوي، وجدنا أن الترجمة لم تكن نشاطًا فرديًا معزولًا، بل جزءًا من مشروع نهضوي متكامل، هدفه نقل المعرفة وبناء الإنسان وتحديث الدولة. وقد جسدت تلك التجربة فكرة «ترجمة الدولة» التي تنتقي النصوص، وتُعِدُّ المترجم، وتؤسس لرؤية استراتيجية تتجاوز منطق السوق الآني. وليس المقصود استنساخ تلك التجربة بحرفيتها، بل استلهام روحها في بناء مشروع معاصر يعيد الاعتبار للترجمة بوصفها أداةً للتنمية الثقافية والمعرفية.
أما اليوم، ومع الانتشار الواسع لأدوات الذكاء الاصطناعي، فقد ازداد الخلط بين امتلاك اللغة وامتلاك الكفاءة الترجمية. والمفارقة أن الذكاء الاصطناعي لم يصنع هذه الأزمة، بل كشف هشاشة جزء من سوق الترجمة. فحين تنتج الآلة نصًا سليمًا من الناحية اللغوية، لكنه فقير دلاليًا وثقافيًا، ينبهر به من لا يدرك الفارق بين صحة العبارة وأمانة المعنى، وبين سلامة التركيب وصدق التمثيل للنص الأصلي.
ومن هنا، لا يصبح المترجم البشري أقل أهمية، بل أكثر أهمية من أي وقت مضى. فالذكاء الاصطناعي، مهما بلغت قدراته، يظل أداةً، أما المترجم الحقيقي فهو الذي يستوعب السياقات، ويفهم المرجعيات الثقافية، ويوازن بين مقتضيات النص المصدر وخصوصيات اللغة الهدف، ويجتهد في حل الإشكالات الترجمية بما يحفظ روح النص ووظيفته. ولهذا لا تختزل الترجمة في نقل الكلمات، بل هي ممارسة تجمع بين المعرفة والذوق والمسؤولية.
ولعل من الضروري التمييز بين «ناقل الكلام» و«مؤول الثقافة»؛ فالمترجم ليس مجرد شخص ثنائي اللغة، بل وسيط بين عالمين رمزيين، ومسؤول عن إعادة إنتاج المعنى في سياق جديد دون تشويه أو اختزال. وهذا الدور لا يُكتسب بالحدس وحده، بل يتطلب تكوينًا منهجيًا في النظرية والترجمة التطبيقية والأسلوبية والتأويل والنقد.
ومن ثم، فإن التحدي الحقيقي لا يتمثل في الذكاء الاصطناعي بحد ذاته، بل في إعادة تعريف من هو المترجم، وفي بناء منظومة مهنية وأخلاقية تحمي الترجمة من الفوضى ومن منطق السوق وحده. وهو ما يستدعي مشروعًا مؤسسيًا متكاملًا يضع معايير واضحة للتأهيل، ويعزز ثقافة التخصص، ويشجع المراجعة العلمية، ويدعم الأعمال النوعية التي لا تخضع فقط لمعادلات الربح السريع.
وفي صميم هذا المشروع، تبدو الحاجة ملحة إلى ميثاق شرف مهني تتبناه المؤسسات والهيئات المعنية، يتضمن الالتزام بعدم ممارسة الترجمة في مجالات تتجاوز حدود التخصص، والشفافية في الإفصاح عن استخدام أدوات الذكاء الاصطناعي ودور المترجم في المراجعة والتأويل، وصيانة النص من الحذف والتلطيف والتحريف الذي يخل بمقاصد صاحبه. كما يمكن استحداث آليات للاعتماد المهني ومنح علامات جودة للترجمات التي تستوفي المعايير العلمية والثقافية، بما يعيد الثقة إلى القارئ ويمنح المترجم الكفء ما يستحقه من تقدير.
غير أن كل هذه الجهود المؤسسية ستظل ناقصة ما لم يصاحبها وعي مجتمعي يميز بين الترجمة المتقنة والترجمة التي تكتفي بإنتاج نص يبدو مقبولًا في ظاهره. فما دام القارئ غير مدرك للفارق بين جودة اللغة وجودة الترجمة، سيظل السوق خاضعًا لمنطق الأرخص والأسرع، لا لمنطق الأجود والأعمق.
إن أخطر ما في الترجمة الرديئة أنها لا تُقدَّم بوصفها اجتهادًا ناقصًا، بل بوصفها معرفة صحيحة. ومن هنا لا تصبح المشكلة لغوية فحسب، بل أخلاقية أيضًا، لأن الخطأ في الترجمة قد يشوه فكر مؤلف، أو يحرف موقفًا تاريخيًا، أو يفسد تجربة جمالية كاملة.
الأمم لا تُقاس بعدد الكتب التي تترجمها فحسب، بل بقدرتها على ترجمة الأفكار ترجمة أمينة تحفظ المعنى ولا تبتذله. وحين تفقد الترجمة هيبتها، لا تتشوه الكلمات وحدها، بل يتعرض الوعي نفسه للتشوه. ولذلك، فإن الدفاع عن الترجمة ليس دفاعًا عن مهنة أو عن فئة مهنية بعينها، بل دفاع عن حق المجتمع في معرفة دقيقة، وعن حق النصوص في أن تُفهم كما كُتبت، لا كما شاءت لها العجلة، أو السوق، أو الخوارزميات.
