محمد بن رضا اللواتي
يمكن عدَّ هذا المقال في سياق المقال الذي نشرته جريدة الرؤية الغراء بعنوان "الطفل والتساؤل الفلسفي"، ويتذكر القارئ الكريم بأن ماثيو ليبمان هو أول من شجع المناهج الدراسية لتقديم مادة لتعليم الطفل الفلسفة عبر تعليمه أدوات التفكير المنطقي لكي يتقن الاستدلال ويستقل بالبحث عن الإجابات عن أسئلته.
وهنا ينبغي تقديم تنويه للقارئ بأن برامج تعليم الطفل الفلسفة والمقترحة من قبل ليبمان وفريقه لا ترى جدوى من أسئلة الطفل الميتافيزيقية!
لا لأنَّ السؤال عن الله تعالى ليس له جواب، وإنما لأنَّ هذا الفريق يستند في رؤيته على الفلسفة النفعية والتي تحصر الجدوى في النتائج العملية الملموسة، وحيث إن المسائل المتعلقة بالغيب- من وجهة نظرهم- ليست ذات تأثير مباشر على الواقع العملي للإنسان، فقد أبعدها "ليبمان" وفريقه. (أنظر مقال بعنوان: دراسة ونقد برامج الفلسفة للأطفال من منظار الحكمة المتعالية: علي ستاري. ترجمة: عزت فرحات: مجلة المحجة العدد 29).
في حين، يستفسر الأطفال بشكل متكرر عن الله والغيب وسبب الخلق، لذا فإنَّ المحيط الإسلامي والتربوي للطفل المسلم يتطلب تصميمًا مختلفًا لمناهج التفكير المنطقي والفلسفي للأطفال، وللأسف فإنَّ مثل هذه الأعمال تكاد أن تكون نادرة للغاية.
وإلى أن نجد في المكتبات أعمالًا موجهة لصغارنا من هذا النوع، يُمكننا أن نقوم بتسريب أنماطٍ من التفكير الميتافيزيقي السهل للأطفال من خلال ما هو موجود؛ سواء التعليمي منه أو القصصي.
فمثلا، لنتناول كُتيِّبُا مُصممًا لتعليم الطفل العدّ والحساب الذي اشترته السيدة ميامين لولدها سمير، فهو تفي بالغرض! ففي الصفحة الأولى من الكُتيِّب، بقرتان تأكلان الزرع، وهناك ثالثة تجلس في ركن المزرعة، والمطلوب من الطفل سمير أن يعرف أنَّ عدد الأبقار في المزرعة ثلاثة.
لنجرب أن نسأله: ولماذا تأكل هاتان البقرتان؟ وإن امتنعتا عن الأكل تُرى ما الذي يمكن أن يحدث لهما؟ ولماذا؟
إنها محاولة للفت انتباه سمير إلى أنَّ كل كائن يأكل ويشرب فهو "محتاج" ويمتاز بلون من "الفقر"، وهو في حالة طلب مستمر لا يزول. طلب للماء والغذاء، واللباس والسكن، وللعلاج والتعليم، بهذا يتلمس "سمير" معنى "الاحتياج" في وجوده والذي سيعينه كثيرًا على إدراك مفهوم "الغني عن الاحتياج"، وحيث يخلو العالم من هكذا نموذج، فالله وحده الذي يتميَّز به.
لنكمل قراءة الكتيب: سمير يلاحظ، في ركن الصفحة، جروًا صغيرًا وبجواره كرة بعدة ألوان، هلا سألنا سمير الصغير: إذا كانت البقرة حيَّة والكرة ميتة، فما الذي يُميز البقرة الحية عن الكرة الميتة؟ إن ذلك سيساعده على إدراك معنى "الحياة" ومظاهرها.
وها نحن الآن قد فتحنا له الصفحة الثالثة، ليرى فيها شجرة ضخمة وقد سقطت أغلب أوراقها على الأرض، ولكن مجموعة من هذه الأوراق قد وُضعت بعناية وانتظام في صندوق خشبي.
لنسأل سمير: ما دلالة اصطفاف أوراق الأشجار بشكل مرتب في الصندوق، مقارنة بتلك المتناثرة على الأرض؟ لا شك أن ثمّة "يَدٍ" قامت بذلك.
ها قد انتبه سمير الآن إلى مفهوم "الدلالة"، وإلى "السببيّة"، وإلى "النظام" و"الاتقان".
فلو لم تكن "يَدٌ" خلف اصطفاف أوراق الأشجار في ذلك الصندوق لكان حالها كحال الأوراق المتناثرة على الطريق! التنظيم تقف خلفه يَدٌ وإرادةٌ وقدرةٌ وعلم.
إننا بهذا قد أعطينا سمير مفتاح التفكير في "مُوجِد العالم".
هذه كانت لمحات لتحفيز تفكير الطفل على تجاوز الظواهر إلى معاني أعمق من خلال كتيب أُعد لغرض آخر.
التفلسُف يمكن العثور عليه في مزرعة الأبقار أيضًا!
