محمد بن أنور البلوشي **
تمتلك الكتب قدرة استثنائية على توسيع آفاق الفكر الإنساني ودفعنا إلى النظر إلى العالم من زوايا مختلفة. فالقارئ النشط لا يكتفي بقراءة الأفكار، بل يتأملها ويناقشها ويطرح الأسئلة حولها. وخلال الفترة الأخيرة، وبينما كنت أقرأ كتاب "الاقتصاد الجنسي للرأسمالية" (The Sexual Economy of Capitalism) للمفكر نوعام يوران، وجدت نفسي أتأمل سؤالًا عميقًا: هل وصلت الرأسمالية إلى مرحلة أصبح فيها لكل شيء ثمن، بما في ذلك الحب والعلاقات الإنسانية والكرامة وحتى المشاعر؟
قد يبدو هذا الطرح مبالغًا فيه للوهلة الأولى. فالرأسمالية تُمدح غالبًا باعتبارها نظامًا اقتصاديًا ساهم في خلق الثروة وتحفيز الابتكار ورفع مستويات المعيشة. ويشير أنصارها إلى التقدم التكنولوجي، ونمو الأعمال التجارية، والفرص الاقتصادية الواسعة باعتبارها دليلًا على نجاحها. غير أن وراء هذه الإنجازات سؤالًا فلسفيًا مهمًا: ماذا يحدث عندما تصبح قيم السوق أكثر تأثيرًا من القيم الإنسانية؟
لقد رأى الفيلسوف وعالم الاجتماع الألماني كارل ماركس أن الرأسمالية تحول العلاقات الاجتماعية إلى علاقات اقتصادية. ومن خلال نظريته المعروفة باسم "عبادة السلعة" أو Commodity Fetishism، أوضح أن الناس قد يبدأون في تقييم الأشياء والأشخاص وفق قيمتهم السوقية بدلًا من قيمتهم الإنسانية الحقيقية. فتصبح العمالة سلعة، والعلاقات سلعة، وأحيانًا تتحول الهوية نفسها إلى شيء قابل للبيع والشراء. وبعد أكثر من قرن على هذه النظرية، يرى العديد من الباحثين أن هذا الاتجاه لم يتراجع، بل توسع ليشمل جوانب متعددة من الحياة المعاصرة.
يتناول نوعام يوران في كتابه الكيفية التي تؤثر بها المنظومة الاقتصادية في العلاقات بين الرجل والمرأة. فالحب والزواج لطالما ارتبطا بعوامل اقتصادية واجتماعية بدرجات متفاوتة، إلا أن المجتمعات الرأسمالية الحديثة دفعت الكثيرين إلى النظر إلى العلاقات الإنسانية بمنطق الاستثمار والعائد والقيمة السوقية. ومع انتشار وسائل التواصل الاجتماعي والتطبيقات الرقمية، أصبح الأفراد مطالبين بتسويق أنفسهم كما تُسوَّق السلع والعلامات التجارية، وأصبحت الجاذبية الاجتماعية تُقاس أحيانًا بمعايير تشبه معايير السوق.
ومن أكثر الانتقادات الموجهة للرأسمالية تأثيرها على النساء. فبينما لا يمكن إنكار أن هذا النظام أتاح فرصًا كبيرة للمرأة في مجالات التعليم والعمل وريادة الأعمال، يرى منتقدوه أنه أوجد في الوقت نفسه أشكالًا جديدة من الهيمنة والاستغلال. فالقضية لا تقتصر على التفاوت الاقتصادي فحسب، بل تمتد إلى تحويل هوية المرأة وجسدها إلى أدوات تخدم منطق السوق والاستهلاك.
وقد قدمت عالمة الاجتماع البريطانية كاثرين حكيم مفهوم "رأس المال الجمالي" أو Erotic Capital، الذي يشير إلى أن الجاذبية الجسدية قد تتحول إلى مورد اجتماعي واقتصادي يمنح صاحبه مزايا وفرصًا إضافية. ورغم الجدل الذي أثاره هذا المفهوم، فإنه يعكس واقعًا أصبحت فيه المظاهر الخارجية جزءًا من اقتصاد ضخم تقدر قيمته بمليارات الدولارات. فصناعات التجميل والأزياء والإعلانات تعتمد بشكل كبير على إقناع النساء بضرورة السعي المستمر إلى معايير جمالية متغيرة، ما يخلق دائرة استهلاكية لا تنتهي.
كما تشير الفيلسوفة والباحثة النسوية نانسي فريزر إلى أن الرأسمالية تعتمد بدرجة كبيرة على الأعمال غير المدفوعة أو منخفضة الأجر التي تقوم بها النساء داخل الأسرة. فالعناية بالأطفال، ورعاية كبار السن، وإدارة شؤون المنزل تمثل أعمالًا حيوية لاستمرار المجتمع، إلا أنها لا تحظى بالتقدير الاقتصادي نفسه الذي تحظى به الأنشطة المدرة للربح.
وفي كتابها الشهير "كاليبان والساحرة" (Caliban and the Witch)، ترى الباحثة سيلفيا فيدريشي أن تطور الرأسمالية ارتبط تاريخيًا بالسيطرة على عمل المرأة وتقليص استقلاليتها الاقتصادية. وتجادل بأن الكثير من الثروة التي أنتجتها المجتمعات الحديثة قامت على جهود نسائية غير مدفوعة الأجر أو غير معترف بقيمتها الحقيقية.
ومن الجوانب الأخرى المثيرة للجدل الاستخدام التجاري لجسد المرأة وصورتها. فالإعلانات التجارية وصناعة الترفيه والأزياء ووسائل الإعلام الرقمية غالبًا ما تستخدم صورة المرأة للترويج لمختلف المنتجات والخدمات. وفي كثير من الأحيان يتم التركيز على المظهر الخارجي أكثر من التركيز على الكفاءة أو الفكر أو الإنجازات، الأمر الذي يؤدي إلى اختزال المرأة في دور استهلاكي يخدم أهداف السوق.
وقد أظهر الاقتصادي الفرنسي توماس بيكيتي في كتابه الشهير "رأس المال في القرن الحادي والعشرين" (Capital in the Twenty-First Century) أن الثروة تميل في الأنظمة الرأسمالية إلى التركز في أيدي فئات محدودة من المجتمع. وينعكس هذا التركز على النساء بصورة خاصة في العديد من الدول، حيث لا تزال الفجوات في الأجور والفرص الاقتصادية قائمة بدرجات متفاوتة.
كما تُعد الباحثة والفيلسوفة سيمون دي بوفوار من أبرز من تناولوا قضية المرأة في كتابها المعروف "الجنس الآخر" (The Second Sex)؛ حيث ناقشت الكيفية التي جرى بها تاريخيًا التعامل مع المرأة باعتبارها "الآخر" أو الطرف الأقل قوة في البنى الاجتماعية والاقتصادية. ورغم مرور عقود طويلة على صدور هذا العمل، فإن كثيرًا من أفكاره لا تزال حاضرة في النقاشات المعاصرة.
ومع ذلك، فإن التحليل المتوازن يقتضي الاعتراف بأن التمييز ضد المرأة لم يبدأ مع الرأسمالية وحدها. فالكثير من أشكال عدم المساواة كانت موجودة في مجتمعات سابقة للرأسمالية، وترتبط بعوامل ثقافية وسياسية واجتماعية متعددة. كما أن الرأسمالية نفسها وفرت لملايين النساء فرصًا للاستقلال المالي والتعليم العالي وتأسيس الأعمال الخاصة.
لذلك، فإن القضية ليست في وجود الرأسمالية بحد ذاتها، بل في مدى السماح لقيم السوق بأن تهيمن على جميع جوانب الحياة. وهنا يطرح الفيلسوف الأمريكي مايكل ساندل في كتابه "ما لا يستطيع المال شراءه: الحدود الأخلاقية للأسواق" (What Money Can't Buy: The Moral Limits of Markets) سؤالًا جوهريًا: هل ينبغي أن تخضع كل القيم الإنسانية لمنطق البيع والشراء؟ ويرى ساندل أن هناك جوانب من الحياة الإنسانية تفقد معناها عندما تتحول إلى سلع. فالصداقة، والحب، والاحترام، والكرامة، والثقة، كلها قيم لا يمكن قياسها بالمال وحده.
وربما يكون هذا هو السؤال الأكبر في عصرنا الحالي: هل يجب أن تُقاس جميع الأنشطة الإنسانية بمنطق الربح والخسارة؟ وهل ينبغي أن تُبنى العلاقات على المكانة المالية؟ وهل يمكن اختزال قيمة الإنسان في قدرته الشرائية؟
ولهذا ينبغي علينا، كقراء ومفكرين ومواطنين، أن نستمر في طرح الأسئلة الصعبة. فإذا كان لكل شيء ثمن، فماذا عن الأشياء التي لا تُقدَّر بثمن؟
** محاضر الاقتصاد بجامعة التقنية والعلوم التطبيقية
