سيناريوهات الاتفاق الأمريكي الإيراني والمعادلة الإسرائيلية الجديدة
د. محمد جعفر **
يمر الشرق الأوسط بواحدة من أكثر مراحله التاريخية تعقيدًا وسيولة. فبين طبول الحرب وصياغة التفاهمات، تبرز تساؤلات جوهرية حول طبيعة النظام الإقليمي القادم في حال توصلت واشنطن وطهران إلى اتفاق ينهي حالة الصدام المباشر. هذا المقال يفكك تساؤلات الضرورة ويستشرف سيناريوهات المستقبل وموازين القوى بين واشنطن، طهران، عواصم الخليج، والكيان الغاصب "إسرائيل" في ظل معادلات ردع جديدة تبرز فيها قوتان أساسيتان في المنطقة نفوذا وقوة (إيران وإسرائيل) كلاهما لديه خسائر نسبية لكنهما أصبحتا أكثر نفوذا وقوة على حساب أطراف لم تستشر في الحرب ولم ترغب فيها.
هل المصالحة الخليجية الإيرانية باتت مُلحَّة؟
المصالحة الخليجية-الإيرانية باتت ملحة كضرورة "براجماتية" لإدارة الخصومة وتجنب الانفجار الشامل، أكثر من كونها تحالفًا دافئًا. فهي تعتبر رغبة من الطرفين في استبدال الصراع الصِفري بـمنافسة منضبطة تحمي مصالح الجميع.
إذ يمكن القول إن المصالحة لم تعد مجرد خيار دبلوماسي أو مناورة مؤقتة، بل تحولت إلى ضرورة إستراتيجية ملحة لكلا الطرفين، وإن كانت دوافع كل طرف تختلف عن الآخر. ويمكن رصد عدة عوامل موضوعية على أرض الواقع تجعل من هذه المصالحة أمرًا ملحًا في الوقت الراهن:
- إدراك خليجي بتحولات المظلة الأمنية الأمريكية
باتت عواصم الخليج على قناعة بأن الولايات المتحدة لم تعد مستعدة لخوض حروب بالوكالة أو الدخول في صدام عسكري مباشر مع إيران لحماية أمن المنطقة، وأن السياسة الأمريكية تتأرجح بين العقوبات والمفاوضات. بناءً عليه، يرى الخليج أن تصفير المشاكل وتحصين الأمن الإقليمي عبر الحوار المباشر مع طهران هو السبيل الأكثر أمانًا لحماية الاستقرار، بدلًا من الارتهان لتقلبات السياسة في واشنطن.
- متطلبات الرؤى الاقتصادية الخليجية
تتبنى دول الخليج (وفي مقدمتها السعودية والإمارات) رؤى اقتصادية طموحة عملاقة (مثل رؤية المملكة 2030). هذه المشاريع الكبرى، التي تعتمد على جذب الاستثمارات العالمية، والسياحة، وتحويل المنطقة إلى مركز لوجستي عالمي، لا يمكن أن تزدهر تحت تهديد الطائرات المسيرة والصواريخ الباليستية أو تهديد الملاحة في الخليج والبحر الأحمر. لذا، فإن استقرار الجوار الإيراني هو شرط أساسي لنجاح هذه الخطط التنموية.
- حاجة إيران الماسة لفك العزلة والاختناق الاقتصادي
بالنسبة لطهران، المصالحة مع الجوار الخليجي تمثل طوق نجاة حقيقي من نواحٍ فمن الناحية الاقتصادية تسعى إيران لتخفيف وطأة العقوبات الغربية من خلال فتح أسواق مشتركة، وتبادل تجاري، وجذب استثمارات خليجية (خاصة في قطاعات الطاقة والبنية التحتية).ومن الناحية السياسية تدرك إيران أن تقاربها مع الخليج يجهض الاستراتيجية الإسرائيلية الرامية لعزلها وبناء تحالف عربي-إسرائيلي ضدها.
- الرغبة في صياغة نظام إقليمي بأيدي أبنائه
يمكن رصد توجه متزايد في المنطقة يرى أن التدخلات الدولية (الأمريكية، الروسية، والصينية) توظف صراعات المنطقة لصالح القوى العظمى. لذا تبرز استراتيجية صياغة "أمن إقليمي مشترك" يجمع ضفتي الخليج كحاجة ملحة لقطع الطريق أمام أي مشاريع خارجية تستثمر في إشعال الحروب.
ما العقبات التي تواجه هذه المصالحة؟
رغم ما ذكرناه من ضرورات المصالحة إلا أنها ما زالت تواجه أزمة ثقة تاريخية وعقبات بنيوية، أبرزها:
- ملف الأذرع العسكرية: مدى استعداد إيران لضبط سلوك حلفائها في المنطقة (في اليمن، العراق، سوريا، ولبنان) وعدم استخدامهم كأوراق ضغط.
- البرنامج النووي والصاروخي: التوجس الخليجي المستمر من طموحات إيران العسكرية التي قد تخل بميزان القوى مستقبلًا أو تدخل المنطقة في سباق تسليح يستنزف ميزانيات الدول لصالح مصنعين معروفين من بينهم إسرائيل.
- هاجس الاستقواء بالخارج: تخشى إيران في المقابل من أن العلاقات الخليجية-الأمريكية (والتطبيع المستتر أو المعلن مع إسرائيل) يهدف في النهاية إلى تطويقها وخنقها، مهما أظهر الخليج من مرونة وتعاون مرحلي.
أضف الى ذلك عقود من الإرث الثقيل من الحروب بالوكالة، والخطاب الإعلامي العدائي، والتدخلات الأمنية. هذا الإرث لا يمكن محوه بتوقيع اتفاق أو مصافحة دبلوماسية؛ فالأجهزة الأمنية والعسكرية لدى الطرفين ستبقى تنظر إلى الآخر بوصفه "الخصم المحتمل" في أي لحظة. وهنا نشير الي أنه في عالم السياسة والعلاقات الدولية، لا تُبنى الاتفاقيات الكبرى على "صدق النوايا" أو المشاعر الصادقة، بل تُبنى على تقاطع المصالح وموازين القوى. وفي الحالة الإيرانية-الخليجية، فإن الإجابة الواقعية والمباشرة هي: لا، لن تتوفر "صدق النوايا" بالمعنى الأخلاقي، ولن تتبدد المخاوف والهواجس بالكامل، بل ستتحول من "صراع مفتوح" إلى "توجس منضبط".
إذن، ما الذي ستقدمه المصالحة إذا غابت النوايا وبقيت الهواجس؟
المصالحة في هذه الحالة تسمى "إدارة الخصومة" وليس إنهاءها، وثمارها تتمثل في:
- منع الانفجار الشامل ووضع "خطوط حمراء" وقنوات اتصال ساخنة لمنع أي خطأ غير مقصود من التحول إلى حرب إقليمية مدمرة.
- تحقيق مكاسب تكتيكية معزولة مثل استمرار التهدئة في اليمن، وتأمين سلامة الملاحة في الخليج العربي، وفتح مسارات تجارية محدودة تفيد الاقتصاد الإيراني المنهك وتضمن استقرار المشاريع الخليجية.
- البراجماتية كبديل عن النوايا؛ فالطرفان سيتعاملان بمبدأ "ثقْ، ولكن تحقّق"؛ فالمقياس لن يكون الكلام المعسول في المؤتمرات، والاحضان الدافئة والقبلات أمام الكاميرات، بل السلوك العملي على الأرض وجدية الالتزام بالاتفاقيات.
ماذا لو تم الاتفاق الأمريكي-الإيراني قبل المصالحة الخليجية-الإيرانية؟
تاريخيًا، تتبع إيران استراتيجية الفصل بين المسارات. إذا تم توقيع الاتفاق أولًا، يُتوقع أن يكون سلوكها مزدوجًا:
دبلوماسيًا: ستبادر طهران بإبداء حسن النوايا اللفظية والدعوة لـ"أمن إقليمي مشترك" لامتصاص المخاوف الخليجية ومنع تشكيل حلف خليجي-أمريكي-إسرائيلي مضاد لها.
ميدانيًا، قد تحتفظ إيران بأوراق الضغط (عبر شبكة حلفائها في المنطقة) كأداة للمساومة في أي مفاوضات مستقبلية مع دول الخليج، لضمان ألا تخرج أي ترتيبات أمنية بما يضر بنفوذها الإقليمي المتزايد بعد الحرب حيث بدت إيران علي انها دولة قادرة علي فرض كلمتها في المنطقة بالسيطرة شبه الكاملة علي مضيق هرمز وتنفيذ ما كان يتم التلويح به منذ عقود إذ إن أمريكا أساءت التقدير عندما افترضت أن إيران لا تملك مقومات إغلاق المضيق حال الدخول في حرب معها.
وقد ترى إيران في الاتفاق مع أمريكا صك غفران دولي يرفع عنها العقوبات الاقتصاديّة، مما يمنحها فائض قوة مالية وسياسية. تجنح معه الي تجميد الصراع والاستقواء، هذا السيناريو قد يدفعها للمناورة في ملفات المنطقة دون تقديم تنازلات حقيقية لجيرانها الخليجيين.
ويمكن أن يضغط الغرب عبر وساطة أمريكية-دولية لتضمين الخليج في محادثات الوضع النهائي ليكون الاتفاق مدخلًا لترتيبات أمنية إقليمية أوسع، مما يجبر طهران على الانخراط في تهدئة إقليمية شاملة تشمل الخليج كجزء من بنود غير معلنة للاتفاق رغم أن كثير من المحللين وصناع القرار لديهم تشكك في نوايا الحلف "الصهيوأمريكي" الوصول الي الاستقرار المنشود في المنطقة بل يقرر البعض أن الإجراءات علي الأرض والتصريحات الامريكية الإسرائيلية تشير بوضوح الي نية مبيته الي إبقاء المنطقة في حالة سيولة وعدم يقين ومن ثم المساومة بالأمن مقابل السلام والدخول في حلف الاتفاقات الابراهيمية أفواجًا.
وليس بخافٍ على القارئ الكريم أن الرفاه في الخليج وما تحقق من إنجازات على كافة المستويات كانت قطوف دانية من ثمار الاستقرار والأمن لذا تجد المجتمعات الخليجية كغيرها تتوق اليهما ولا تقايض بهما أو تراهن على غيرهما.
لذا ينبغي على دول الخليج - وقد أصبحت المصالحة الخليجية الإيرانية ضرورية وملحة- النظر بجد في مسألة تكوين حلف إقليمي قوي يضم القوي الاقليمية الفاعلة (السعودية، ومصر، وتركيا، وباكستان...) لخوض مفاوضات مصالحة مع إيران تضع في حسبانها المصالح المشتركة للدول وسلامة الإقليم والتزام حسن الجوار مع بناء علاقات اقتصادية تصاعدية تعود بالنفع على الجميع.
ما موقع إسرائيل من الاتفاق الأمريكي-الإيراني؟
تنظر إسرائيل إلى أي اتفاق أمريكي-إيراني لا يفكك بالكامل البرنامج النووي والصاروخي وشبكة الحلفاء على أنه "تهديد وجودي" واستسلام غربي. ومن المستحيل واقعيًا تضمين إسرائيل في اتفاق مباشر مع إيران. فطهران لا تعترف بشرعية إسرائيل وتعتبر العداء لها ركيزة أيديولوجية، وتل أبيب ترفض منح إيران أي شرعية إقليمية. وأي تضمين قد يكون "غير مباشر" عبر تعهدات أمريكية صارمة لحماية أمن إسرائيل دون التعهد بإلزام الأخيرة بعدم تكرار الاعتداء.
ومن المتوقع إذا فُرض الاتفاق كأمر واقع، أن تتجه إسرائيل نحو العمل المنفرد والاستمرار في القيام بضربات استخباراتية وسيبرانية وهجمات موجهة داخل إيران وضد حلفائها، لإحباط مفاعيل الاتفاق والضغط على واشنطن لانتزاع حزم تعويضات عسكرية متطورة تبقي على تفوقها الاقليمي مع تثبيت خطوط حمراء لأي خرق إيراني.
وبما أن الاتفاق سيقيد قدرة إسرائيل على ضرب العمق الإيراني مباشرة دون غضب أمريكي، فإنها ستنقل ثقل عملياتها العسكرية إلى الساحات العربية التي تتواجد فيها ما يسمى بأذرع إيران (في سوريا، ولبنان، والعراق، واليمن). وسيتكثف السلوك العدواني الإسرائيلي في هذه الدول تحت ذريعة منع إيران من استغلال أموال الاتفاق لتعزيز ترسانة حلفائها. هذا السلوك سيضع الدول العربية أمام تحدي دائم، حيث ستستمر إسرائيل في انتهاك سيادة دول عربية بحجة "الدفاع الاستباقي"، مما يحرج الأنظمة العربية أمام شعوبها.
كيف ستتصرف إسرائيل مع حالة العزلة الدولية؟
ستشعر إسرائيل بنوع من "العزلة الاستراتيجية" بعد الاتفاق الأمريكي-الإيراني، مما سيدفعها إلى محاولة تعويض المظلة الأمريكية المباشرة عبر:
- تنشيط مسارات التطبيع بالسعي بكل قوتها الدبلوماسية (وبدعم من واشنطن لتخفيف وطأة الاتفاق عليها) إلى إحياء وتوسيع "اتفاقيات ابرام" (أو مسارات التطبيع المُعطَّلة)، لا سيما مع الدول العربية الوازِنة.
- البحث عن "ناتو إقليمي" مُصغَّر: ستعرض إسرائيل على الدول العربية المتخوفة من النفوذ الإيراني منظومات دفاع جوي مشتركة، وتبادلًا استخباراتيًا فوريًا، وتحالفات في الأمن السيبراني، معتبرة أن الخطر الإيراني ما زال قائمًا والاتفاق لن يغير من نوايا طهران.
- محاولة "عزل" الملف الفلسطيني عن العلاقات العربية عبر سلوك إسرائيلي براجماتي شديد المراوغة ستحاول إسرائيل معه إقناع العواصم العربية بأن التهديد المشترك (إيران وحلفاؤها) يتطلب تجاوز الخلافات حول القضية الفلسطينية.
- ستسعى إلى تقديم "تسهيلات اقتصادية" أو مشاريع ربط إقليمي (مثل خطوط النقل والطاقة الممتدة من الخليج إلى البحر المتوسط عبر إسرائيل) كبديل عن الحلول السياسية الشاملة للفلسطينيين، مستغلة رغبة المنطقة في الاستقرار الاقتصادي.
- ممارسة ضغوط دبلوماسية لمنع "التقارب العربي-الإيراني" إذا شعرت إسرائيل أن الاتفاق الأمريكي-الإيراني سيؤدي إلى موجة مصالحات عربية-إيرانية واسعة (أو إسلامية كتركيا ومصر مع إيران)، ستعمل أدواتها الدبلوماسية والاستخباراتية على تغذية الهواجس الأمنية لدى الدول العربية، عبر تسريب معلومات استخباراتية (قد تكون دقيقة أو مبالغًا فيها) حول استمرار خروقات إيران أو دعمها لجماعات هادفة لزعزعة الاستقرار. وستعتبر أي تقارب عربي "دافئ" مع طهران بمثابة إضعاف للجبهة المناهضة للمشروع الإيراني، وقد تستخدم لغة تحذيرية غير معلنة تجاه شركائها الإقليميين.
** كاتب وباحث
