الإجادة المؤقتة أم الأداء المستدام؟!

 

 

 

د. سالم بن خميس الحامدي **

 

في ظل التوجهات المعاصرة نحو ترسيخ ثقافة التميز المؤسسي، أصبحت أنظمة تقييم الأداء الوظيفي أداة استراتيجية فاعلة في توجيه سلوك الموظفين، وتحفيزهم نحو تحسين كفاءتهم الوظيفية وإسهامهم في تحقيق أهداف المؤسسة المنتمين لها. غير أن الممارسات التطبيقية لهذه الأنظمة تكشف عن ظاهرة سلوكية لافتة، تتمثل في ارتفاع مستوى الأداء لدى بعض الموظفين خلال فترات التقييم الرسمية لنظام الأداء الفردي "إجادة"، يعقبه تراجع ملحوظ بعد الحصول على تقدير ممتاز ومكافأة "الإجادة".

وتثير هذه الظاهرة تساؤلات جوهرية حول فاعلية نظم التقييم في تحقيق غاياتها بعيدة المدى، إذ يبدو أن بعض الموظفين يتعاملون مع التقييم بوصفه محطة مرحلية تستدعي تكثيف الجهد المؤقت، لا مسارًا مستمرًا يقتضي المحافظة على مستوى أداء ممتاز بصورة دائمة. وهو ما يعكس، في جانب منه، إشكالية تتعلق بطبيعة الدافعية الوظيفية، ومدى ارتباطها بالحوافز المؤسسية قصيرة الأجل مقابل الالتزام الوظيفي طويل الأمد.

وعلى الرغم من التطور النظري الذي شهدته نماذج تقييم الأداء، والتي تؤكد على الاستمرارية، والتغذية الراجعة، والتنمية المهنية المستدامة، فإنَّ التطبيق العملي يكشف عن فجوة واضحة بين هذه المرتكزات النظرية ومخرجاتها الفعلية. حيث تُظهر الملاحظات الميدانية أن بعض الموظفين يضاعفون جهودهم خلال فترة التقييم، ويحرصون على إبراز إنجازات نوعية ومبادرات متميزة بهدف الحصول على تقدير ممتاز" إجادة"، إلا أن هذا النمط من الأداء غالبًا ما يكون مؤقتًا، سرعان ما يتراجع بانتهاء دورة التقييم أو بعد تحقيق الهدف المرجو منها.

تعاني منظومة التقييم الوظيفي من اختلال في مبدأ العدالة نتيجة غياب معايير دقيقة وموحدة؛ الأمر الذي يفتح المجال لاختلافات جوهرية في ممارسات التقييم بين المسؤولين المباشرين. فبينما يستند بعضهم إلى معيار الأقدمية، ويعتمد آخرون على الانطباعات الشخصية، ما يؤدي إلى هيمنة الاجتهادات الفردية على حساب الموضوعية. وفي ظل هذه البيئة، تتشكل ثقافة سلبية قائمة على “انتظار الدور” بدلًا من السعي للتميّز؛ إذ لا يجد المجتهد ما يميّزه، ولا يواجه المقصّر مساءلة حقيقية، مما يفضي في النهاية إلى تراجع ثقافة الجودة داخل المؤسسة. ومن زاوية تحليلية، يمكن إرجاع هذه الظاهرة إلى عدد من العوامل المتداخلة، من أبرزها:

  • الفهم المحدد لمفهوم "الإجادة"؛ حيث يُنظر إليها باعتبارها غاية نهائية تُحقق مرة واحدة، لا معيارًا مهنيًا مستمرًا يتطلب المحافظة عليه وتطويره وقد يحصل عليه الموظف بصورة متكررة حسب ما يثبته من أنشطة، ومبادرات، وانجازات مستدامة، ومتجددة.
  • الإشباع الإنجازي المؤقت؛ إذ يشعر بعض الموظفين بعد الحصول على مرتبة ممتاز" إجادة" بأنهم بلغوا ذروة الأداء، مما يضعف دافعيتهم للاستمرار في بذل الجهد بنفس الوتيرة.
  • تصميم أنظمة التقييم، التي تعتمد في بعض الأحيان على دورات زمنية منفصلة، مع محدودية في آليات المتابعة المستمرة، الأمر الذي يكرس ما يمكن تسميته بـ "موسمية الأداء".

يمكننا أن نطرح تساؤلًا جوهريًا: هل تسهم أنظمة تقييم الأداء في تحفيز الأداء المستدام، أم أنها– بصورة غير مباشرة– تعزز الأداء المؤقت المرتبط بفترات التقييم فقط؟ إن التحدي الحقيقي الذي نواجهه كمسؤولين مباشرين لا يكمن في دفع الموظف إلى تحقيق التميز بصورة عابرة، بل في بناء منظومة قادرة على ترسيخ الأداء المتميز بوصفه سلوكًا مهنيًا مستدامًا؛ فالإجادة التي لا تنعكس في ممارسات مستمرة تفقد قيمتها الاستراتيجية وتتحول إلى إنجاز ظرفي محدود الأثر.

ومن هنا تبرُز الحاجة إلى إعادة النظر في فلسفة تقييم الأداء، بما يضمن الانتقال من منطق مكافأة الإنجاز المؤقت إلى تبني مقاربات تعزز الاستدامة المهنية، وتربط التميز بسلوك يومي متجدد لا بحدث تقييمي عابر، ولمعالجة هذا الخلل، يُصبح من الضروري بناء منظومة تقييم قائمة على معايير واضحة ومكتوبة ومرتبطة بأدلة قابلة للتحقق، بما يُعيد توجيه التقييم نحو قياس الأثر الفعلي للأداء لا مجرد رصد الأنشطة المنفذة، مع تفعيل حوكمة دقيقة لإجراءات التقييم تضمن الاتساق والشفافية، وإلزامية توثيق الترشيحات والإنجازات عبر ملفات أداء حقيقية مدعومة بالشواهد؛ وبذلك يمكن استعادة العدالة، وتعزيز الدافعية، وترسيخ ثقافة التميز المستدام.

** مدير مدرسة علي بن أبي طالب للبنين بولاية صحار

تعليق عبر الفيس بوك

الأكثر قراءة

z