ماجد بن علي الهادي
"هل خذل الخفاء إنساناً استجار به يوماً، ووجد مأخوذاً على غفلة؟" إبراهيم الكوني
*****
الكثير أو القليل من الخفايا لا تنكشف إلا بعد الاختفاء، وهذا الاختفاء غالبا ما يكون موتا. وهذا الموت المفروض على كل مخلوق، لا يكتفي بإسقاط ظلاله القاتمة على كل من ينتمي ويحيط بروح الفقدان، بل يخترق درع الخفايا والأسرار، التي كانت يوماً مخبأة بإتقان وبتحصين محكم. فمن لا يملك أسرارا لم يعش الحياة بطبيعتها، ولم يصارع المغريات بشراستها. من لم تستحوذ عليه دوافع المُغامرات بأنواعها وحالاتها، لم يكن يوماً إنساناً بصفاته الغريزية.
صحيحٌ أنه ليس من الضرورة أن تكون الخفايا والأسرار متعلقة بانفجار الغريزة، لكنها في النهاية ستكون المسببة لها. أما تلك التي تكون مرتدية أثواب الجوانب الصحية وما شابهها، فإن استشعارها يكون علانية قبل أن تكون مخفية. فالخفاء هنا يتوارى خلف العلن وفق الأحداث المَعيشة، وحسب الأفعال المرتبطة بردود الفعل. الأمور التي تبقى طي الكتمان حتى بعد وفاة أو اختفاء صاحبها، هي تلك التي جاهد فيها المعني لإبقائها محكمة الإغلاق، هي تلك التي تكون متماهية ومتماشية مع المعنى الحقيقي للخفاء. يكون فيها بذل التستر قد وصل مبتغاه وتكون فيها الحيثية متلازمة ومتعاهدة مع صدق أمانة السر. حتى أقرب الناس لا يُدرك ذلك المعنى ولا يعي ذلك المغزى، بل ربما إن تسربت "رائحة" من ذلك السر؛ فسيفهم بمعنى خاطئ وسيفسر بطريقة سلبية.
الكثير من أولئك الذين وجدوا أنفسهم في أضواء البهرجة، لا تألوا نفوسهم اقتحام عالم الأسرار، والتي غالبا ما تناقض التوجهات الصحيحة لمعنى الاتزان "الأخلاقي"، ربما لأن المساحة الشاسعة من ملذات الحياة والتي غفلت عنها نفسه، ووجد لروحه مرتعا فيها، هي من أعمت بصيرته وتاهت فيها حيرته. ستكون النفس في هذه الحيثية منفصلة عن واقعها، ومختمرة في لجة الغرور النفسي. بينما النقيض في الجانب المعاكس يشرئب بسخرية ليقينه من النهاية المحتومة. النهايات متماهية مع بداياتها، ومتوازنة مع معايير أسرارها، التمسك بغطاء الستر هنا لا يهتك إلا من صاحبه بطريقة أو بأخرى. ليس لاستمرارية الحصن هنا أي أمان، والغرق في بحر اللامبالاة يكون في أوجه. وفق ما سردنا أعلاه فإن الأسرار والخفايا اختلفت باختلاف ثقافات أصحابها، تباينت بمدى وعي من تملكه أو يملكها.
هي في النهاية هوية وبصمة طبعتها الأفكار والافعال بالإرادي واللاإرادي، وستغدو ذلك الوجه الذي لم يره أحد ولن تره العيون الا إذا عثر على مفتاح العقل. للعقل أسرار وللأسرار عقل إن تمكنت النفس في التعرف على بواطن التفاعلات مع المجريات المَعيشة. للأسرار عقل إن فطنت النفس بأن تراكماتها هي من أوجدتها وأنشأتها. لا شيء مبتور عن المنهجية السوية، وإن تكاسلت الروح في العزف على أوتار قلب الحياة، فالعقل سيتناغم مع المعزوفة الدنيوية وفق السلم اليومي.
يبقى أن نؤكد لأنفسنا بأن الخفايا لا تصطرخ الا إذا أقضينا عليها مضاجعها، ولن تزعجنا سحائبها المختمرة بعدم اليقين، الا إذا خالفنا توقعاتها وتوقيتها الماطرة من عدمها. كل يوم تكتبنا مواقف، وكل يوم تسوق لنا الأحداث تفاصيل لم نحسب لها حساب.. هذه التفاصيل قد تساعدنا على الاختباء خلف طمأنينة الثقة، وقد تجرنا إلى قاع الشكوك في النفس والريبة. عدم الثقة في النفس تسلم مفاتيح عقولنا إلى كل متطفل وساخر وشامت.
الإنسان الذي أنعم الله عليه بنعمة عظيمة خصه بها بالتأكيد سيحافظ عليها ويصونها، سيؤطرها بالكتمان ويغلق عليها بالإخلاص، سيبقيها مصانة ما أستطاع ليبارك الله له فيها. هي كذا بعض الأسرار والخفايا بركتها في إبقائها طي الكتمان، وعظمتها تكمن في إخفائها عن كل إنسان. كيف لا ونحن جميعا مرحومين بالستر من الله سبحانه وتعالى، كيف لا وأسرار عقولنا سر ديمومتها على النهج السليم، كيف لا والصامت ذكي بصمته لأنه عرف سر الصمت وسر الكتمان، كيف لا ونحن نرى الأهداف تتحقق وتتبارك كلما حافظنا على كتمانها ومداراتها.
وأخيرًا.... "الأشياء الأكثر أهمية في هذه الحياة لا نراها بأعيننا، بل نشعر بها في الخفايا".
