◄ الفهدي: الثورة التقنية المُتسارِعة أفرزت أنماطًا من السلوكيات الضارة بالمجتمع
◄ التربية القائمة على القيم والوعي الثقافي تساعد على معالجة جذور المشكلات
◄ القوانين تستهدف حماية المجتمع من التلاعب والانتهازية والابتزاز
◄ المقبالية: الحفاظ على الخصوصية الأسرية ضرورة وقائية تمس جوهر العلاقات الاجتماعية
◄ ضرورة بناء علاقة بين الأسرة والأبناء قائمة على الثقة لا الترهيب
◄ التشهير الإلكتروني ينكأ جروحًا اجتماعية ويُفزر توترات مستجدة
الرؤية- ريم الحامدية
أجمع مختصون على أن صدور قانون مكافحة جرائم تقنية المعلومات يُشكِّل خطوةً مُهمةً نحو تعزيز الأمن الرقمي وحماية المجتمع من الممارسات السلبية التي رافقت التوسع في استخدام المنصات الإلكترونية، مشيرين إلى أن القانون لا يقتصر على جانب الردع فحسب؛ بل يسهم في ترسيخ ثقافة المسؤولية الرقمية واحترام الخصوصية وصون الحقوق الفردية والجماعية.
وأوضحوا- في تصريحات لـ"الرؤية"- أن التطورات التقنية المُتسارِعة وما صاحبها من انتشار لجرائم التشهير والابتزاز وانتهاك الخصوصية ونشر الشائعات، فرضت الحاجة إلى بناء منظومة تشريعية متجددة تواكب هذه التحولات وتحمي المجتمع من آثارها. وأكدوا أن نجاح القانون في تحقيق أهدافه يتطلب تكامل الأدوار بين التشريع والتوعية والتربية، بما يعزز الوعي المجتمعي ويجعل من الفضاء الرقمي بيئة أكثر أمانًا ومسؤولية، خاصة في ظل التأثير المتزايد للتقنية على مختلف جوانب الحياة اليومية.
وأكد المكرم الدكتور صالح الفهدي عضو مجلس الدولة أن الثورة التقنية المتسارعة التي يشهدها العالم اليوم، وآخرها ثورة الذكاء الاصطناعي، أفرزت في المقابل أنماطًا من السلوكيات والممارسات السلبية التي قد تلحق الضرر بالمجتمعات؛ الأمر الذي يجعل تدخل الحكومات عبر التشريعات والقوانين ضرورة حتمية لحماية المجتمع من هذه الأضرار التي يُقصد من ورائها نشر المفاسد وتحقيق الأرباح بطرق غير مشروعة.
وقال الفهدي إن هناك قاعدة معروفة مفادها أن «ما لم يزع بالقرآن يزع بالسلطان»، موضحًا أن المقصود بالسلطان هنا هو القانون، بينما يشير القرآن إلى الجوانب الإيمانية والأخلاقية، بمعنى أن من لم تمنعه خشيته من الله ولم يردعه خلقه، فإن للقانون سلطة توقفه عند حدّه وتمنعه من الإضرار بالآخرين. وأضاف أن هذا الدور يمثل جوهر التشريعات التي تُعد إحدى الركائز الأساسية لدولة المؤسسات. وأشار الفهدي إلى أن قانون مكافحة جرائم تقنية المعلومات يسهم في حماية القيم التي نشأ عليها المجتمع، موضحًا أنه رغم أن القيم تُبنى في الأساس على مرجعية إيمانية وأخلاقية، مستشهدًا بالحديث الشريف: «إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق»، إلا أن بعض ضعاف النفوس يحتاجون إلى ما يردعهم ويصحح مسارهم.
وفيما يتعلق بدور التشريعات في مواجهة الظواهر السلبية المصاحبة للفضاء الرقمي، أوضح الفهدي أن القوانين وُجدت لحماية المجتمع من التلاعب والانتهازية والابتزاز وغيرها من الوسائل والأدوات الخبيثة التي تنتج عن ضعف الوازع الديني وعدم الاكتراث بالأخلاقيات المجتمعية الراسخة. لكنه شدد في الوقت ذاته على أن الاكتفاء بالقوانين وحدها لا يكفي لتحقيق الردع والإصلاح الكامل؛ فالتشريعات تحمي المجتمع من الإفساد، بينما تعمل التربية القائمة على القيم والوعي الثقافي على تغذية الجذور ومعالجة الأسباب، مؤكدًا أن الإصلاح الحقيقي والدائم يتحقق من خلال تقوية الوازع الديني وترسيخ القاعدة القيمية للإنسان.
وحول العلاقة بين حرية التعبير والمسؤولية في الفضاء الرقمي، قال الفهدي إن الحرية لا يمكن أن تكون بمعزل عن المسؤولية؛ فالشعور بالمسؤولية هو الضامن الحقيقي لحدود أي حرية. وأضاف أن هذا الشعور لا يتشكل إلّا من خلال إدراك الإنسان للأسس التي يقوم عليها مجتمعه، والتي ينتمي إليها انتماءً صالحًا فيما يُعرف بالمواطنة الصالحة. وأكد أن هذا الإدراك يحقق التوازن في شخصية المواطن بين ممارسة حريته في إطار العيش الإنساني الكريم وبين تجنب الإضرار بالمجتمع، وذلك انطلاقًا من القاعدة الشرعية «لا ضرر ولا ضرار».
وفي رسالته إلى الأجيال الجديدة، دعا الفهدي إلى النظر إلى التقدم التقني بوصفه وسيلة لتحقيق الرخاء والرفاه الإنساني من خلال تبسيط الحياة وتسهيل متطلباتها، مشيرًا إلى أهمية ترسيخ هذا المفهوم في أذهان الشباب والناشئة ليكونوا فاعلين ومؤثرين إيجابيًا في بناء أوطانهم، لا أدوات للهدم أو لنشر الرذائل والجرائم والمفاسد في مجتمعاتهم.

ضرورة وقائية
من جانبها، أكدت الدكتورة كلثم المقبالية الباحثة والمختصة في المجال الأسري، أن الحديث عن الخصوصية الأسرية في عصر وسائل التواصل الاجتماعي لم يعد ترفًا فكريًا؛ بل أصبح ضرورة وقائية تمس جوهر العلاقات داخل الأسرة وخارجها. وأوضحت أن ما يشهده المجتمع اليوم من نشر للخلافات العائلية أو تداول للصور الشخصية لم ينشأ من فراغ، وإنما جاء نتيجة سنوات من غياب الضوابط القانونية الواضحة التي دفعت بعض الأفراد إلى التعامل مع الفضاء الرقمي وكأنه مساحة بلا حدود أو مسؤولية.

وأضافت الباحثة والمختصة في المجال الأسري أن قانون مكافحة جرائم تقنية المعلومات الجديد يمثل خطوة تأسيسية مهمة، ليس لأنه سيمنع الناس من بعض التصرفات فحسب، وإنما لأنه يرسم للمرة الأولى حدودًا قانونية واضحة لما هو مقبول وما هو مرفوض في الفضاء الرقمي. وأشارت المقبالية إلى أن التشريع وحده لا يكفي لتحقيق الغاية المرجوة ما لم يتحول إلى وعي مجتمعي يتغلغل داخل البيوت، مؤكدة أن الأسرة تبقى المدرسة الأولى التي يتعلم فيها الأبناء الحدود الأخلاقية والقانونية على حد سواء. وترى المقبالية أن من الضروري أن تترافق التشريعات الجديدة مع حملات توعوية وتثقيفية تسهم في تحويل القانون من نصوص جامدة إلى ثقافة مجتمعية حية يستوعبها الأبناء قبل الآباء.
وفي حديثها عن الوعي الرقمي داخل الأسرة، أوضحت المقبالية أن من أكثر القضايا التي تواجهها في العمل الإرشادي عدم إدراك الأبناء أن إعادة النشر أو التعليق قد تشكل أفعالًا ذات تبعات قانونية، كما أنهم لا يدركون أن الشخصية الإلكترونية ينبغي ألا تكون مغايرة للشخصية الواقعية. وأرجعت ذلك إلى أنهم لم يتعلموا في محيطهم الأسري أن للكلمة وزنًا وأن للمحتوى مسؤولية. وأضافت أن الإشكالية لا تقتصر على الأبناء فقط، بل تمتد إلى بعض الآباء الذين يمارسون هذه السلوكيات دون تفكير أو وعي بعواقبها، متسائلة: كيف يمكن أن نطالب الأبناء بما لا يراه الأهل أنفسهم أمرًا ضروريًا؟
وأكدت المقبالية أن الأسرة القادرة على بناء الوعي الرقمي هي الأسرة التي تجعل من الحوار اليومي مساحة مفتوحة لمناقشة ما يُنشر ويُتداول عبر المنصات المختلفة، وتُعلّم أبناءها أن المنشور لا يُمحى بسهولة، وأن ضغطة زر واحدة قد تتسبب في أزمة تتجاوز قدرتهم على التعامل معها. وشددت على أن المطلوب ليس فرض رقابة صارمة تؤدي إلى الانسحاب أو الإخفاء، بل بناء علاقة قائمة على الثقة، يشعر فيها الأبناء بالقدرة على الرجوع إلى والديهم واستشارتهم قبل نشر أي محتوى يثير لديهم الشك أو التساؤل. وأضافت أن الوعي الرقمي الحقيقي لا يُكتسب من المناهج الدراسية وحدها، وإنما يُمارس ويُعاش من خلال السلوك اليومي داخل الأسرة.
وفيما يتعلق بالآثار النفسية والاجتماعية للجرائم الإلكترونية، قالت المقبالية إن الفرد أو الأسرة عندما يتعرضان لانتهاك إلكتروني؛ سواء عبر التشهير أو تسريب الصور أو الاستهداف الممنهج عبر المنصات الرقمية، فإن الأذى الناتج عن ذلك لا يقل عن الأذى الذي تسببه الاعتداءات الجسدية، وربما يكون أشد إيلامًا بسبب استمرار أثره لفترات طويلة بعد وقوعه.
وأوضحت الباحثة والمختصة في المجال الأسري أنه من خلال عملها في مجال الإرشاد الأسري، تُلاحِظ حالات متعددة تُعاني من القلق المُزمن وفقدان الثقة بالنفس والعُزلة الاجتماعية؛ حيث يرفض بعض الضحايا الخروج من منازلهم أو استئناف حياتهم الطبيعية؛ لأن الوصمة الرقمية لا تنتهي بمجرد حذف المنشور، وإنما تستمر في ذاكرة كل من شاهده أو تفاعل معه. وأضافت أن التشهير الإلكتروني الذي يستهدف أحد أفراد الأسرة لا يؤثر على الشخص المعني وحده، بل يعيد تشكيل خارطة الثقة داخل الأسرة بأكملها، وقد ينكأ جروحًا قديمة أو يخلق توترات جديدة لم تكن موجودة من قبل.
وحول أثر التشريعات الجديدة، أعربت المقبالية عن اعتقادها بأنها ستسهم بشكل ملموس، في الحد من هذه الظواهر، ليس من خلال الردع القانوني فقط، وإنما لأنها تمنح الضحية حقًا قانونيًا واضحًا يشعرها بأنها ليست وحدها في مواجهة الانتهاك، وأن المجتمع والدولة يقفان إلى جانبها. وأكدت أن هذا الشعور بالحماية والدعم يحمل قيمة علاجية ونفسية كبيرة لا تقل أهمية عن قيمته التشريعية.
