عادل الحمداني **
قد يتساءل البعض لماذا يثق الناس في جهة إخبارية ما ويتشككون فيما تقدمه جهة أخرى؟ وتتعدد صيغة التساؤلات بشكل أكثر إلحاحًا على هيئة: لماذا يمنح المتلقي مساحة أكبر لبعض المصادر والقنوات الإخبارية ويتعامل مع مصادر أخرى بكثير من التحفظ وعدم اليقين؟
من خلال تجربتي ومعايشاتي اليومية بحكم العمل والاهتمامات الخاصة بالأخبار والبرامج الإخبارية، ومتابعتي المتواصلة لمسار العمل الإعلامي في سلطنة عُمان، أجد نفسي متيقنًا أن صيغة الخبر وسرعة وصوله لا تكفيان لصناعة الثقة بين مصدر الخبر والمُتلقِّي المُستهدَف، فالأهم من ذلك، حصيلة المصداقية والموضوعية والاتّزان والالتزام التي تؤسسها الجهات الإخبارية الرسمية والمؤسسات التي تصنع الخبر وتنشر المعلومة من خلال قنواتها.
المُتتبِّع لمسار العمل الإعلامي العُماني؛ سواء كان قارئًا عاديًا أو باحثًا متُخصِّصًا أو مُمتهِنًا لهذه الصناعة، سيدرك أن الإعلام الرسمي شريك أساسي في صناعة الوعي المجتمعي، وفي ترسيخ الهوية الوطنية، وأنه حاضر في كل زاوية من زوايا التحولات السياسية والاجتماعية والاقتصادية التي شهدتها السلطنة والعالم على حد سواء. ذلك يعني، أن الإعلام الرسمي لم يكتفِ بنقل الخبر وتفاصيل الأحداث ولا بنشر البيانات والاحصائيات، لكنه مارس دورًا أكثر عُمقًا، ليكون شاهدًا على التحولات الكبرى، ومُتتبِّعًا لمسيرة النهضة، وراصدًا لصور نماء المجتمع وقيمه وهويته المحلية.
ومن خلال أخبار وكالة الأنباء العُمانية وتغطيات الصحف المحلية وما تقدمه نشرات الأخبار في الإذاعة والتلفزيون، من تقارير ومتابعات ميدانية يومية، نلحظ مساعٍ جادة لربط المواطن والمتلقي أيًّا كان بما يحدث من حوله، وجهد لإشراكه في فهم ما يجري بكل شفافية وموضوعية. كل ذلك، يجعل من الإعلام الرسمي حاضرًا بقوة في المشهد وفي اهتمامات المتلقين، مكتسبا ثقتهم ومحافظا على تأثيره رغم التغيرات في البيئة الإعلامية والتطورات التقنية المتسارعة. وقد أشارت صحيفة "شؤون وطنية" الإلكترونية في مقال بعنوان "الإعلام العُماني.. مسيرة من المصداقية والثقة الجماهيرية" إلى أن الإعلام العُماني عزز الروح الوطنية، ودعم الوعي بأهداف التنمية ومتطلبات مراحل البناء واحتياجات المواطنين، ورصد المظاهر السلبية (1).
هذا الدور يجعل من الإعلام الرسمي في سلطنة عُمان لا يتوقف عند حد نقل المعلومات ليتحول إلى وسيلة لإظهار الشفافية وتجسيد مسؤوليته الاجتماعية، وإلى أن يكون نافذة يُطل منها أفراد المجتمع على تفاصيل عمل المؤسسات الحكومية، ومتابعة ما تنجزه أولًا بأول. ومن خلال هذه الإطلالة والمتابعة، تعززت مستويات الوعي والمسؤولية لدى المواطنين.
في إحدى المقابلات الصحفية، أطلق معالي الدكتور عبدالله الحراصي وزير الإعلام وصفًا مُعبِّرًا عن الإعلام العُماني بأنه "ديوان للحياة العُمانية". هذا الوصف لم يكن تعبيرًا بلاغيًا عابرًا، أو عبارة جاءت وليدة اللحظة، لكنها تُلخِّص وتختصر الكثير من المعاني. فكلمة "ديوان" تُدلِّل على حفظ الذاكرة الجماعية وتوثيق التحولات المجتمعية، مثلما تقود إلى صيانة الهوية والحفاظ على قيم المجتمع ومكتسباته، وإلى الحفاظ على أدق التفاصيل اليومية وسط ذلك التدافع المعلوماتي في الفضاء الرقمي. وكأنَّ معالي الدكتور وزير الإعلام بوصفه هذا يأخذنا إلى دور الإعلام الرسمي وأهميته كونه أداة استراتيجية لتعزيز الثقة بين الجمهور والمؤسسات الحكومية (2).
ولم تكن تلك الإشارة الوحيدة لذلك الدور وتلك الأهمية التي تتحلى بها الأخبار الرسمي والإعلام العُماني في مجمله؛ ففي مناسبات عديدة كان حديث معاليه يشير إلى استناد الإعلام العُماني على رسالة حضارية وإنسانية عن طبيعة الشخصية العُمانية وسماتها ودورها التاريخي، وفق سياسة متزنة بعيدة عن مظاهر الغلو والمبالغات.
ما يُحسب للمسيرة الإعلامية في سلطنة عُمان عدم إنجرافها وراء المُبالغات في نقل الخبر والمعلومة، وعدم اهتمامها بالإثارة التي أصبحنا نراها في أغلب المنصات الرقمية والمواقع الإخبارية في الفضاء المفتوح. وقد ظلَّ الإعلام العُماني مُحافِظًا على رصانته ومُتمسِّكًا بخطابه المتزن، مُستمِدًا قوته من طبيعة الشخصية العُمانية القائمة على الاعتدال في الرأي والحكمة في المواقف.
وفي ظل تدفق المعلومات وانتشار المنصات الرقمية وتعدد المصادر الإلكترونية يبقى السؤال قائما: هل ما تزال الأخبار الرسمية قادرة على صُنع ثقة المجتمع أم أنها تقهقرت في ظل هذا التحدي المُتنامي؟
المراجع
- مقال بعنوان "الإعلام العُماني.. مسيرة من المصداقية والثقة الجماهيرية" – صحيفة "شؤون وطنية" الإلكترونية بتاريخ 8 سبتمبر 2024.
- مقابلة صحفية لوزير الإعلام العُماني لصحيفة الشرق الأوسط السعودية، ونشرتها صحيفة المسار الإلكترونية بتاريخ 16 يناير 2023.
