لماذا نبحث عن الدكتوراه في الخارج؟!

 

 

 

فايزة بنت سويلم الكلبانية

 

 

"اطلبوا العلم من المهد إلى اللحد"، هكذا وجَّهنا الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم إلى أن يكون طلب العلم رحلةً مستمرةً لا تتوقف عند مرحلة أو عمر أو درجة علمية. فالعلم ليس شهادةً تُعلَّق على الجدران، بل استثمارٌ في الإنسان، وأساسٌ لبناء الأمم وتقدُّمها وازدهارها.

وعندما ننظر إلى واقع التعليم العالي في سلطنة عُمان، نجد أن الجامعات والكليات الحكومية والخاصة شهدت خلال العقود الماضية توسعًا ملحوظًا، وأصبحت تقدم عشرات البرامج الأكاديمية في مختلف التخصصات على مستوى الدبلوم والبكالوريوس والماجستير. غير أن المتأمل في برامج الدراسات العليا يلاحظ محدودية المؤسسات التي تقدم برامج الدكتوراه، فضلًا عن محدودية التخصصات المطروحة، التي يتركز بعضها في مجالات محددة تشهد أصلًا تشبعًا نسبيًا في سوق العمل.

هذه الفجوة دفعت الكثير من العُمانيين الطامحين إلى مواصلة رحلتهم العلمية للبحث عن فرص خارج حدود الوطن، متحملين تكاليف السفر والإقامة والغربة، إلى جانب التحديات المهنية والأسرية المرتبطة بالدراسة في الخارج. والمفارقة أن كثيرًا من الجامعات الدولية في آسيا وأوروبا وشمال أفريقيا تقدم برامج دكتوراه متنوعة برسوم دراسية أقل من بعض البرامج المطروحة محليًا.

ومن القضايا التي تستحق التوقف عندها كذلك الارتفاع الكبير في رسوم بعض برامج الدكتوراه، التي قد تصل إلى 16 ألفًا أو 18 ألفًا أو حتى 28 ألف ريال عُماني. وهذه الأرقام تثير تساؤلات مشروعة لدى الباحثين عن العلم، خاصةً أن طبيعة دراسة الدكتوراه تختلف عن المراحل الأكاديمية الأخرى؛ فهي تعتمد بدرجة كبيرة على البحث العلمي والجهد الذاتي للطالب، مع عدد محدود من الساعات الدراسية والمحاضرات الحضورية، فيما يقتصر دور المشرف الأكاديمي غالبًا على التوجيه والإرشاد العلمي خلال مراحل إعداد الرسالة.

ومن واقع تجربة شخصية، أمضيتُ سنواتٍ أبحث عن برنامج دكتوراه في فلسفة الإعلام والاتصال أو التخصصات القريبة منه داخل سلطنة عُمان، وطرقت أبواب العديد من المؤسسات الأكاديمية دون أن أجد التخصص الذي أطمح إليه. وفي نهاية المطاف، اتجهت إلى ماليزيا بحثًا عن فرصة أكاديمية مناسبة تجمع بين جودة التعليم وتنوع التخصصات وتكلفة الدراسة المعقولة. وهي تجربة تتكرر مع كثير من الباحثين العُمانيين الذين يضطرون إلى توجيه استثماراتهم العلمية والمالية إلى جامعات خارجية بسبب محدودية الخيارات المحلية.

إن الاستثمار في برامج الدكتوراه ليس رفاهيةً أكاديميةً، بل ضرورة وطنية لإعداد الباحثين والخبراء وصُنَّاع المعرفة. فالدول التي تتقدم اليوم هي تلك التي تستثمر في العقول، وتدعم البحث العلمي، وتفتح أبواب الدراسات العليا أمام أبنائها في مختلف المجالات الإنسانية والعلمية والتقنية والإعلامية والطبية.

كما أن ربط التوسع في برامج الدكتوراه بمخاوف تتعلق بالدرجات الوظيفية أو المزايا المالية أو محدودية الطلب في سوق العمل لا ينبغي أن يكون سببًا لتقييد الفرص التعليمية. فالقيمة الحقيقية للدكتوراه لا تقتصر على الوظيفة أو الراتب، بل تمتد إلى بناء المعرفة الوطنية، وتعزيز البحث العلمي، ورفع مستوى التفكير والإبداع والابتكار في المجتمع.

ومن هنا تبرز الحاجة إلى مراجعة واقع برامج الدكتوراه في سلطنة عُمان، والتوسع في التخصصات النوعية المطلوبة، وإعادة النظر في الرسوم الدراسية المرتفعة، وتقديم نماذج أكثر مرونة تراعي ظروف الموظفين الراغبين في مواصلة تعليمهم، بما يضمن بقاء الكفاءات الوطنية داخل الوطن، وتقليل الأعباء المالية والنفسية عليهم.

إنَّ عُمان التي استثمرت كثيرًا في التعليم خلال العقود الماضية، قادرة اليوم على اتخاذ خطوة جديدة نحو تعزيز الدراسات العليا، وتوسيع برامج الدكتوراه، وتمكين الباحثين من مواصلة رحلتهم العلمية داخل وطنهم؛ فالعقول العُمانية تستحق أن تجد فرصتها هنا، وأن تسهم في صناعة المستقبل من الوطن لا من خارجه.

الأكثر قراءة

z