أ.د. وائل زكريا الصاوي الشنهابي **
Wael.z@uob.edu.om
في زمنٍ ليس بعيدًا، كانت الشركات تُقاس بقوة منتجاتها فقط؛ من يبيع أرخص؟ ومن يقدم جودة أعلى؟ لكن اليوم تغيرت قواعد اللعبة بالكامل. أصبح النجاح لا يعتمد فقط على "ما الذي تبيعه المؤسسة"، بل على "كيف تجعل الناس يشعرون أثناء التعامل معها". وهنا تظهر واحدة من أكثر تخصصات الإدارة الحديثة تأثيرا: إدارة تجربة العميل، التي أصبحت تمتزج بشكل غير مسبوق مع عالم الذكاء الاصطناعي.
تخيل أنك تقود سيارتك في زحام مسقط بعد يوم عمل مرهق، وقبل أن تصل إلى المنزل بدقائق، يصلك إشعار على هاتفك من أحد المطاعم: "يبدو أنك في طريق العودة كعادتك يوم الخميس… هل نجهز لك طلبك المفضل؟ مدة الانتظار اليوم أقل من 7 دقائق." تبتسم دون أن تشعر. ليس لأن التطبيق ذكي فقط، بل لأنه "فهمك".
وعندما تصل، تجد الطلب جاهزا، والموظف يستقبلك باسمك، ويخبرك أن المطعم أضاف طبقا جديدا قريبا من اختياراتك السابقة. في تلك اللحظة، تشعر وكأن المكان يعرفك منذ سنوات، رغم أن من يدير كل هذه التفاصيل خوارزميات وبيانات تعمل بصمت خلف الشاشة.
هنا لا نتحدث عن مطعم يبيع وجبات سريعة، بل عن مؤسسة نجحت في تحويل التكنولوجيا إلى شعور إنساني؛ فالعالم اليوم لم يعد يكافئ الشركات التي تقدم الخدمة فقط، بل الشركات التي تجعل العميل يشعر بأنه مهم ومفهوم ومقدر.
ولهذا لم يعد الذكاء الاصطناعي مجرد أدوات وتقنيات حديثة، بل أصبح جزءا من علم إداري عميق يدرس سلوك الإنسان، ويفهم عاداته، ويتوقع احتياجاته قبل أن يطلبها. فالمؤسسات الحديثة لم تعد تسأل: "كيف نبيع أكثر؟" بل أصبحت تسأل: "كيف نجعل العميل يعود إلينا، حتى لو وجد خيارات أرخص؟".
الفرق الحقيقي لم يعد في المنتج وحده، بل في الإحساس الذي يبقى في ذاكرة العميل بعد انتهاء التجربة؛ ففي سلطنة عُمان، بدأ هذا التغيير يظهر بوضوح في قطاعات عديدة. فالبنوك مثلا لم تعد تتنافس فقط على عدد الفروع أو نوع الحسابات، بل على سهولة التطبيق الإلكتروني، وسرعة الرد، وطريقة تعامل الموظفين مع العملاء. بعض العملاء اليوم قد يغلق حسابه البنكي ليس بسبب الرسوم، بل لأنه شعر أن شكواه لم تُحترم أو أن وقته لم يكن مُقدَّرًا.
وفي قطاع الاتصالات، لم يعد المشترك يقارن فقط بين أسعار الباقات، بل أصبح يسأل: هل التطبيق سهل؟ هل أستطيع حل مشكلتي بسرعة؟ هل أجد شخصا يفهمني عندما أواجه مشكلة؟
حتى في المطاعم والمتاجر، أصبح الذكاء الاصطناعي يتدخل بهدوء في تفاصيل حياتنا اليومية؛ فبعض التطبيقات أصبحت تراقب أوقات الطلبات الأكثر استخدامًا، والأكلات المُفضَّلة، وحتى الأحياء التي يزداد فيها الطلب في أوقات معينة. الهدف لم يعد مجرد البيع، بل فهم الإنسان: هل هو مستعجل؟ هل يبحث عن الراحة؟ هل يريد توفير الوقت؟
وهنا تظهر المفارقة المثيرة. كلما تطورت التكنولوجيا، ازدادت أهمية المشاعر الإنسانية؛ فالذكاء الاصطناعي يستطيع تحليل آلاف البيانات خلال ثوانٍ، لكنه لا يستطيع أن يشعر بالانزعاج الحقيقي لعميل تأخرت معاملته، ولا أن يفهم نبرة الإحباط في صوت مراجع ينتظر دوره منذ ساعة. الآلة قد تتوقع الغضب، لكنها لا تمتلك التعاطف الحقيقي.
ولهذا أصبحت تخصصات إدارية دقيقة مثل السلوك التنظيمي، وإدارة الموارد البشرية، وإدارة تجربة العميل، من أهم التخصصات في المستقبل. لأن المؤسسات بدأت تدرك أن التقنية وحدها لا تكفي، وأن النجاح الحقيقي يحتاج إلى مزيج ذكي بين "العقل الرقمي" و"الفهم الإنساني".
في البيئة العُمانية تحديدًا، المواطن اليوم تغيَّر كثيرًا. أصبح أكثر وعيًا، وأكثر قدرة على المقارنة بين الخدمات، وأقل صبرًا على التعقيد والروتين. المواطن لم يعد يريد أن يسمع عبارة "راجعنا الأسبوع القادم"، بل يريد خدمة واضحة وسريعة ومحترمة. وهذا التحول يفرض على المؤسسات أن تعيد التفكير بالكامل في طريقة تعاملها مع الناس.
حتى الجهات الحكومية بدأت تدخل هذا السباق بهدوء؛ فكلما أصبحت الخدمات الإلكترونية أكثر سهولة ووضوحا، ارتفع رضا المستفيدين، وازدادت الثقة بالمؤسسة. النجاح اليوم لم يعد مرتبطا فقط بإنجاز المعاملة، بل بطريقة إنجازها.
أحد الخبراء قال عبارة تختصر مستقبل الإدارة الحديثة: "العميل قد ينسى ما اشتراه، لكنه لا ينسى أبدا كيف شعر أثناء الخدمة". وهذه العبارة ربما تفسر لماذا تنجح بعض المؤسسات رغم أن أسعارها أعلى من غيرها. الناس أحيانًا تدفع مقابل الشعور بالراحة والاحترام أكثر مما تدفع مقابل المنتج نفسه.
في السنوات المقبلة، ستختفي وظائف كثيرة بسبب الأتمتة والذكاء الاصطناعي، لكن الوظائف المرتبطة بفهم البشر، وإدارة العلاقات، والتعامل مع المشاعر الإنسانية، ستصبح أكثر قيمة من أي وقت مضى. لأن العالم مهما أصبح ذكيا تقنيا، سيبقى بحاجة إلى الإنسان.
وربما هنا تكمن الحقيقة الأجمل: كلما اقتربت الآلة من التفكير مثل البشر، ازدادت حاجة المؤسسات إلى بشرٍ يفهمون البشر.
** أستاذ إدارة الأعمال بكلية التجارة
جامعة البريمي سلطنة عُمان، وجامعة بورسعيد بمصر
