النادي الباريسي يكسب اللقب الأوروبي بعقل إنريكي.. و"المدفعجية" يسقط في فخ الدفاع المفرط

 

 

 

الرؤية- أحمد السلماني

 

قدّم نهائي دوري أبطال أوروبا بين باريس سان جيرمان وأرسنال مواجهة فنية حملت تناقضًا واضحًا بين فريق أراد أن يلعب ويسيطر ويهاجم، وفريق اختار أن ينتظر ويدافع ويبحث عن ضربة خاطفة. ورغم أن أرسنال بدأ المباراة بأفضلية رقمية مبكرة بعد هدف كاي هافيرتز في الدقيقة السادسة، إلا أن هذا الهدف لم يمنحه الشجاعة الكافية لمواصلة الضغط، بل دفعه أكثر إلى التراجع، وكأنه اختار حماية التقدم بدلًا من البناء عليه.

الأرقام تكشف جوهر المباراة بوضوح؛ فباريس استحوذ على الكرة بنسبة 72% مقابل 28% فقط لأرسنال، ومرر لاعبوه 847 تمريرة مقابل 311 للفريق الإنجليزي، وسدد 19 كرة مقابل 5 فقط، منها 4 على المرمى مقابل تسديدة واحدة لأرسنال. هذه الفوارق لا تعكس مجرد تفوق إحصائي، بل تؤكد أن باريس فرض شخصيته على النهائي، بينما ظهر أرسنال وكأنه يخوض المباراة بعقلية النجاة لا بعقلية البطل الباحث عن أول لقب أوروبي كبير في تاريخه.

تكتيكيًا، نجح باريس في تدوير الكرة بصبر، وفرض حصارًا تدريجيًا على مناطق أرسنال، مستفيدًا من جودة وسطه فيتينيا وجواو نيفيز، ومن تحركات عثمان ديمبيلي بين الخطوط. ديمبيلي لم يكن مهاجمًا تقليديًا، بل كان مفتاحًا حركيًا أربك دفاع أرسنال، وفتح زوايا تمرير، وجرّ المدافعين خارج أماكنهم، قبل أن يتحصل على ركلة الجزاء التي أعادت باريس إلى المباراة في الدقيقة 65.

في المقابل، قدّم أرسنال مباراة دفاعية صارمة، لكنها افتقدت الجرأة. ثنائية ساليبا وجابرييل صمدت طويلًا أمام الضغط، ونجح الفريق اللندني في إغلاق العمق وتقليل المساحات، إلا أن الاعتماد المبالغ فيه على التراجع والكرات المرتدة جعل أرسنال يفقد السيطرة النفسية والفنية على النهائي. لذلك بدا وصف "الكرة التكتيكية" حاضرًا في قراءة أسلوب أرتيتا، ليس لأن الدفاع عيب، بل لأن فريقًا بحجم أرسنال امتلك فرصة تاريخية، لكنه تعامل معها بحذر زائد قتل طموحه الهجومي.

منطقة الوسط كانت نقطة التحول. ديكلان رايس قاتل كثيرًا لكسر موجات الضغط، لكنه وجد نفسه معزولًا أمام كثافة لاعبي باريس واستحواذهم على وسط الملعب. ومع مرور الوقت، بدأ الفارق يظهر بين فريق يملك أدوات التحكم في الإيقاع، وفريق يركض خلف الكرة وينتظر فرصة نادرة. ولهذا لم يكن التعادل الباريسي مفاجئًا، بل نتيجة طبيعية لضغط طويل وتفوق واضح في المبادرة.

النهائي لم يُحسم فقط بركلات الترجيح، بل حُسم قبلها في فلسفة اللعب. باريس دخل المباراة بعقلية حامل اللقب، فبحث عن الكرة، وفرض الإيقاع، وآمن بقدرته على العودة. أما أرسنال، فرغم البداية المثالية، خاف من خسارة الحلم أكثر مما سعى للفوز به. وهنا كان الفارق الحقيقي بين فريق يعرف كيف يدير النهائيات، وفريق ما زالت تطارده عقدة السقوط في النهائيات.

وبهذا التتويج، لم يحتفظ باريس سان جيرمان بلقبه فحسب، بل قدّم إعلانًا جديدًا عن نضج مشروعه الفني تحت قيادة لويس إنريكي، بينما خرج أرسنال من النهائي بأسئلة مؤلمة حول شخصية الفريق في المواعيد الكبرى، وحول ما إذا كان الانضباط الدفاعي وحده يكفي لصناعة المجد الأوروبي.

ورغم مرارة الخسارة، فإن ما قدمه أرسنال هذا الموسم يستحق الإشادة والتقدير. فالفريق اللندني لم يصل إلى نهائي دوري أبطال أوروبا مصادفة، بل بعد مشوار استثنائي أكد خلاله تطور مشروع ميكيل أرتيتا وقدرته على منافسة كبار القارة. وتُوج أرسنال بطلًا للدوري الإنجليزي الممتاز بعد غياب طويل، كما بلغ نهائي دوري الأبطال للمرة الثانية في تاريخه دون أن يتعرض لأي خسارة طوال مشواره القاري، مستندًا إلى أقوى خط دفاع في البطولة بعدما استقبلت شباكه سبعة أهداف فقط قبل المباراة النهائية.

ولهذا فإن خسارة اللقب لا تقلل من قيمة الموسم الذي قدمه "الغانرز"، بل تؤكد أن الفريق بات من جديد ضمن النخبة الأوروبية القادرة على المنافسة على أكبر البطولات. وإذا كان باريس قد كسب الكأس بفضل خبرته وقدرته على فرض شخصيته في اللحظات الحاسمة، فإن أرسنال كسب احترام القارة العجوز وجماهير كرة القدم في العالم بعدما أعاد بناء هويته التنافسية، وقدم نموذجًا متكاملًا من الانضباط والاستمرارية والقدرة على مقارعة أفضل فرق أوروبا.

النهائي لم يكن مجرد تتويج لباريس سان جيرمان، بل كان أيضًا إعلانًا عن عودة أرسنال إلى الصف الأول أوروبيًا؛ فباريس خرج بالكأس ذات الأذنين، بينما خرج أرسنال بموسم تاريخي أعاد إليه مكانته بين كبار القارة، وترك انطباعًا بأن حلم التتويج الأوروبي الأول قد يكون مسألة وقت لا أكثر.

تعليق عبر الفيس بوك

الأكثر قراءة

z