أنقص القصص على ترامب؟

 

 

حمد الناصري

 

كان يا ما كان، ترامب يهدد عُمان! ينظر إلينا بعينيه الزرقاوين، يحسبنا "بحر ساليش"، ويمد نظره بعيدًا، فيرى مضيق "بوجيت ساوند" ظانًا أنه "مضيق هرمز".

يغمض عينيه متأملًا، فينبسط ساحل "واشنطن" أمام ناظريه، ويرقب بُعد "المحيط الهادئ"، فتترقرق مُقلتاه.

وفجأة، تهبط عليهما زرقة مائية مفتوحة، يتوسطها مضيق مائي كبير الأهمية تعتمد عليه أمريكا. يتخيل "شبه جزيرة أولمبيك" ويقول: أهذه هي؟ فيتهادى إلى سمعه صوت أمواج ترفع ضحكتها العربية.. كهجمة مرتدة!

يُعدل نظارة القراءة ليكتشف أنها مياه عربية، فيرتعد! نعم، هناك فارق كبير، إنها مياه عربية! ويُحدث نفسه: لتوي فرغت من نظرتي البائسة تجاه إيران التي مزقت قوتي وحدت من قدرة ونفوذ أمريكا العظمى، وقللت من هيبتها الاقتصادية والدولية، بدءًا من حرب الاثني عشر يومًا وانتهاءً بستين يومًا.

ورغم أننا، وحتى الأمريكيين أنفسهم، يستغربون من هُراء ترامب الذي هدد 13 دولة قبلنا، أغلبهم حلفاء أو أصدقاء لأمريكا كما ذكرت قناة فوكس؛ كندا وكولومبيا والدنمارك، وطبعًا إيران، وحتى دول الناتو، وأخيرًا سلطنة عُمان! مما يؤكد المشهد أن عُمان ليست وحدها، بل هي ضمن قائمة طويلة من الحلفاء والأصدقاء الذين نالهم نصيب من هذه التهديدات.

وإننا نُذكرك يا ترامب أن إيران ليست مسؤوليتها حراسة المياه الدولية، لكنها تتقاسم الإطلالة على مضيق هرمز مع سلطنة عُمان؛ فإيران في الشمال وعُمان في الجنوب، ولكل منهما ساحل مستقل. لكن حركة الملاحة البحرية تُدار من الجنوب، فبحر الخليج والممر تُسيطر عليه عُمان بقبضتها الحديدية. لا يغيب نظرها عن ذلك الممر المائي إلا بزوال أمريكا وجوديًا، وإن زالت أمريكا، يبقى الممر المائي سالكًا.

إن تاريخنا يا ترامب ليس محسوبًا في تاريخ الغفلة، وليس من جملة ممالك السياسة التي أنشأتموها كزرع لكم، ولا هي من تراث الانبطاح، ولا تُستذل بتقديم التريليونات! نعم، إننا نعرف جيدًا أن تقنياتنا العسكرية قد تكون محدودة، لكن عزمنا مطلق الولاء؛ دمًا وروحًا، وفكرًا وثقافة. لا تُرعبنا التهديدات، ولا نحتمي بكم في الملمات، وأسواق العالم مفتوحة لنا، وجيوبها موثوقة. وكما لكم مصالح، فإن آخرين يبحثون عن منافع لهم.. لن يسكتوا عنكم ما دامت سياستكم عوجاء!

نحن يا ترامب.. عربٌ عاربة ومستعربة، ذلكما الجذران من أصل عروبة واحدة متأصلة، ومن بطون جذور بشرية أصيلة. يجمعنا مهد الرمال العربية، ولغة واحدة من عمق الجزيرة العربية. أما أنتم، أيها الأمريكان، فأعراق متعددة جمعتها هجرات من شتى بقاع العالم.. فيا ترامب، اركس ولا تكن من عوام النابحين، ولا تغدُ من الهوام التي تقشعر منها الأبدان! فعُمان دولة لها مقدارها الأصيل، ووزنها السياسي أعمق مما تتصوره تلك الأجندات التريليونية وما وراءها.

ومن هنا، دعني أحكي لك شيطنة "دول الكاوبوي" التي نشأت في سنين تاريخها وعُرفت بها، "رعاة البقر". لكن تاريخنا المشرف يعود بنا إلى عام 1507م، حين غزت البرتغال المنطقة غزوًا ساحقًا، ولم تُبقِ ولم تذر شيئًا إلا ودمرته، وكانت يومذاك أكبر قوة على وجه الأرض إلى جانب إسبانيا. وكان "ألفونسو دي البوكيرك" مثلك تمامًا، ولا يختلف عنك، مغرورًا متبجحًا.. قاد حملة لاحتلال عُمان، وبسط سلطته وكبرياءه، وحاول إجبار العُمانيين على دفع آلاف القطع الذهبية جزيةً له. لكن العُمانيين رفضوا رفضًا قاطعًا، فدمر مسقط؛ هذه العاصمة التي تتودد إليها اليوم، ليل نهار، لتحل مشاكلك في الإقليم وفي الشرق الأوسط، وفي كثير من أزماتك المتناثرة حول العالم!

وقد ظن رعيل الكاوبوي القديم أنهم قوة الأرض التي لا تُهزم في أرض عُمان. وحين بُويع الإمام ناصر بن مرشد اليعربي ليكون بطلًا منقذًا للأمة العُمانية من غشامة الكاوبوي، كانت مدينة الرستاق هي الصرخة التي أطلق منها الإمام شعلة المقاومة لتخليص عُمان من قبضة الغزاة، فقام اليعاربة بعزة وكرامة العُماني بمواجهتهم وهزيمتهم في محطات عدة؛ نذكر منها للتدليل لا أكثر، جلفار "رأس الخيمة" التي كانت متصلة بجغرافيا عُمان وسلسلة جبال الحجر الغربي.

وفي ذلك العام 1649م-1650م، طُرد الاستعمار الكاوبوي وارتد خاسئًا وهو حسير من أرض عُمان العزة والكرامة ومن ترابها الطاهر النقي، مهانًا ذليلًا، صاغرًا بلا رجعة!

هذا النصر المبين هو يوم اعتزاز لأمتنا العربية، وفتح عظيم لعُمان المستقلة، فبهذا النصر المؤزر طاردنا البرتغاليين في بحار آسيا وإفريقيا. ولا ننسى ما حدث في الهند، وتحديدًا في "جوا"؛ حيث لاحقهم الإمام سيف بن سلطان اليعربي "قيد الأرض" في البحر المفتوح، حتى وصلت السفن العُمانية إلى "سالسيت" و"بسين"، ونجح في أسر المئات من البرتغاليين. وإذا ما عرجنا في حكايتنا إلى أمجادنا في زنجبار، ومومباسا في كينيا، والساحل الشرقي الإفريقي، فلن أحدثك عما دارت به رحى تلك الأيام، ولكني سأذكر لك فاجعة عام 1964م التي عُرفت بمجزرة العرب في زنجبار.

والحقيقة التي تخفى على جنابكم، أننا في عُمان نفتخر ونعتز بأننا هزمنا غطرسة البرتغاليين بقوة التاريخ وبعزيمة عُمانية لا تلين، فإن شئتم اتعظتم بها، وإن شئتم وعظناكم بها.

عُمان يا ترامب ليست نعلًا ترميه وقتما تشاء، بل درع يحميك من بلاء تصرفاتك المعتوهة! نحن لا نملك الأثمان، بل نملك القوة والإرادة والعزم، والتوكل على الخالق مدبر هذا الكون.

عُمان يا ترامب تسعى إلى حياة الناس، تجمعهم على كلمة صادقة: "السلام والتعايش الآمن". حضارتنا كلها انصرفت من أجل تلكما المفردتين العظيمتين، ولا نقبل بغيرهما مظهرًا. طورنا دولًا كانوا ممزقين ومشتتين، يحلمون بحياة الأمل، فكانت لهم مسقط رباطًا وكتابًا مفتوحًا.

خلاصة القول في هذه الحكاية.. سلطنة عُمان يا ترامب تقول لك إن عدوانكم تعرفه، وتعريضكم تفهمه، وتهديداتكم نوقنها ولا غبار في يقيننا منها، فامضِ إلى ما أنت ماضٍ، فنهايتك محتومة ولا ريب؛ أنت من صنعها بخيبتك، امضِ غير مأسوف عليك في العالم أجمع.

أنت يا ترامب وجهٌ مهلك، وقدٌّ أحمر، وتاريخٌ أسود. ونحن لا نركن إلى الفوضى ولا نضعف، بل إن قوتنا تزداد تلقائيًا لأنها مشحونة بدافع الأمل وحب التعايش بين الناس، عامرة بالإيمان المبين. واعتزازنا يفوق خيالك المتوحش، وتاريخنا العُماني مضيء لا يعرف الخنوع ولا الخيانة ولا الذل ولا الانكسار.. فلا تظن ظن البليد الحقود، ولا تتصرف كـ"البوكيرك" حتى لا تجمعكما النهايات الخائبة.

تعليق عبر الفيس بوك

الأكثر قراءة

z