التنظيم المالي.. محفّز للتنمية الاقتصادية المستدامة

 

 

 

مرتضى بن محمد جواد الجمالاني

 

هناك دور محوري للأجهزة الإشرافية والرقابية على صناعة المال والأعمال والقطاع المصرفي والبنوك، إذ لا يمكن تحقيق أهداف التنمية المستدامة والنمو الاقتصادي من دون وجود بنية أساسية متطورة وكوادر وطنية مؤهلة في الدول المعنية.

كما أن صناعة التأمين والقطاع المصرفي يعتمدان بشكل كبير على المعايير العالمية والحوكمة وإدارة المخاطر والامتثال التنظيمي. ومن أبرز مميزات هذه المعايير أنها تراعي حماية مصالح المشرّع والمنظومة الرقابية، خاصة فيما يتعلق بالاستقرار المالي وحماية حقوق المتعاملين، رغم اختلاف المصالح بين المشرّع والمستهدفين من المساهمين وحملة الوثائق وأصحاب الحسابات البنكية والدائنين.

وفي المقابل، فإن من أبرز التحديات المرتبطة ببعض هذه المعايير أنها تركز بصورة أكبر على المنتجات والخدمات المالية نفسها أكثر من تركيزها على طبيعة الأسواق واحتياجاتها التنموية، أي أنها تتجه نحو مفهوم: Product-Oriented rather than Market-Oriented Companies and Banks. ومن هنا تبرز الحاجة إلى مراجعة بعض السياسات والتشريعات التنظيمية بما يحقق التوازن بين الرقابة والتنمية الاقتصادية، والعمل على تطوير نموذج: Risk-Based & Development-Oriented Supervision، أي الرقابة القائمة على إدارة المخاطر ودعم التنمية الاقتصادية في آنٍ واحد.

كما أن الأسواق الناشئة تحتاج إلى أطر تنظيمية مرنة وتدريجية تراعي حجم الاقتصاد المحلي ومرحلة نموه، مع التركيز على تطوير الكفاءات الوطنية في مجالات العلوم الاكتوارية وإدارة المخاطر والامتثال والتقنيات المالية الحديثة (FinTech).

ويبقى نجاح القطاع المالي والتأميني مرتبطًا بمدى مساهمته في حماية الاقتصاد الوطني، وتعزيز الاستثمار، ورفع كثافة التأمين، وزيادة مساهمة القطاع في الناتج المحلي الإجمالي، وليس فقط تحقيق الأرباح أو الامتثال للمعايير.

فالهدف الحقيقي يجب أن يكون تحويل قطاع التأمين من مجرد: Transformation Regulations إلى قطاع ذي أثر اقتصادي وتنموي حقيقي: Economic Impact Sector.

إن موضوع توفير الحماية للممتلكات والمسؤوليات، والتعويض عن الخسائر الناتجة عن الأنواء المناخية وكوارث الطبيعة، وكذلك الأخطاء البشرية في عصر الثورة الصناعية الرابعة، لم يعد مسؤولية فردية أو محصورة في قطاع معين، بل أصبح مسؤولية مجتمعية شاملة تقع على عاتق المجتمع بمؤسساته وأفراده، وفي مقدمتها المشرّع والجهات التنظيمية.

وفي ظل تصاعد المخاطر المناخية وتزايد تعقيد الأنشطة الاقتصادية والتكنولوجية، تبرز الحاجة إلى إطار قانوني ومؤسسي متكامل يضمن وجود نظام عادل وفعّال للحماية والتعويض عن الأضرار والخسائر الناتجة عن الكوارث. ويُعد التأمين أو الضمان الاجتماعي في هذا السياق أداة اقتصادية واجتماعية أساسية لتعزيز الاستقرار والصمود المجتمعي.

كما أن توفير الحماية التأمينية ضد الكوارث الطبيعية والأنواء المناخية يجب أن يُنظر إليه باعتباره حقًا عامًا متاحًا للجميع، وليس مقيدًا فقط بشروط الاكتتاب التقليدية في التأمين التجاري، خاصة في الحالات ذات الطابع الكارثي واسع النطاق.

ومن هنا، يبرز الدور المحوري للمشرّع في تطوير تشريعات واضحة وملزمة تُنشئ نظامًا للتأمين الإلزامي ضد مخاطر الكوارث الطبيعية والأنواء المناخية، بما يحقق التوازن بين الأهداف الاجتماعية والاقتصادية، ويعزز الاستدامة المالية وقدرة المجتمعات على إدارة المخاطر.

كما أن هذا الإطار لا يكتمل دون تطوير مشاريع البنية الأساسية الوقائية للحماية من الكوارث الطبيعية، مثل أنظمة تصريف السيول، السدود، شبكات الإنذار المبكر، وتخطيط المدن وفق معايير مقاومة المخاطر المناخية. فهذه الاستثمارات تمثل خط الدفاع الأول لتقليل حجم الخسائر قبل وقوعها، وتكمل دور أدوات التأمين والتعويض بعد وقوع الحدث.

وفي هذا السياق، فإن نجاح منظومة إدارة المخاطر يعتمد على التكامل بين التشريع، والتأمين، والبنية التحتية، والحوكمة المؤسسية، بما يضمن نهجًا استباقيًا وليس تفاعليًا فقط في التعامل مع الكوارث.

وفي إطار الاقتصاد الحديث والحوكمة في عصر الثورة الصناعية الرابعة، فإن تطوير أنظمة إدارة المخاطر والتأمين لم يعد خيارًا تنظيميًا، بل أصبح ضرورة استراتيجية لحماية التنمية الاقتصادية وضمان استقرار الأسواق والأفراد على حد سواء.

وفي نهاية المطاف، فإن بناء منظومة متكاملة للتأمين ضد الكوارث الطبيعية وتطوير البنية التحتية الوقائية لم يعد خيارًا اقتصاديًا فحسب، بل هو ركيزة أساسية للأمن الاقتصادي والاجتماعي، وعامل رئيسي في تعزيز قدرة الدول على تحقيق التنمية المستدامة في عالم تتزايد فيه المخاطر وتعقيدات البيئة الاقتصادية.

** خبير التأمين وباحث اقتصادي متخصص

تعليق عبر الفيس بوك

الأكثر قراءة

z