الخليج يبحث شرقا.. هل سقط الرهان على المظلة الأمريكية؟

عواصم - الوكالات

في السياسة كما في الأمن، لا توجد تحالفات أبدية بقدر ما توجد مصالح دائمة. ومن هذا المنطلق، تبدو التحركات الخليجية الأخيرة نحو تنويع مصادر التسليح والدفاع الجوي أكثر من مجرد قرارات فنية أو صفقات عسكرية عابرة؛ إنها تعبير واضح عن تراجع الثقة في قدرة المنظومة الغربية على توفير الضمانات الأمنية التي طالما وعدت بها حلفاءها في المنطقة.

وتأتي هذه التحولات في وقت تتزايد فيه التهديدات الجوية غير التقليدية، وفي مقدمتها الطائرات المسيّرة والصواريخ الدقيقة التي باتت تشكل تحدياً حقيقياً للجيوش الحديثة. وبينما كانت بعض العواصم الخليجية تراقب باهتمام التجربة الأوكرانية في مواجهة الطائرات المسيّرة الروسية، فإن النتائج العملية بدأت تطرح أسئلة صعبة حول مدى قابلية نقل تلك التجربة إلى بيئة الخليج المختلفة تماماً من حيث الجغرافيا والتهديدات ومتطلبات الدفاع.

ولم تعد هذه المخاوف مجرد تقديرات نظرية، بل بدأت تنعكس على أرض الواقع من خلال العقبات التي تواجهها بعض الدول الخليجية في الاستفادة من البدائل الدفاعية التي رُوِّج لها خلال السنوات الأخيرة.

وأشارت تقارير صحفية إلى أن صحيفة (انتيليجينس أونلاين) الفرنسية المتخصصة كشفت أن الإمارات تواجه صعوبات في دمج وتشغيل أنظمة الاعتراض الأوكرانية المخصصة لمواجهة الطائرات المسيّرة، رغم الترويج لها باعتبارها أحد أبرز الحلول الدفاعية ضد التهديدات الجوية الحديثة.

وتوضح تقارير ومتابعات أمنية أن فعالية هذه الأنظمة تعتمد على منظومة متكاملة تشمل قدرات رصد متقدمة، وشبكات قيادة وسيطرة، وحرباً إلكترونية، الأمر الذي أثار تساؤلات داخل الأوساط الأمنية الخليجية حول مدى جدوى الاعتماد على البدائل الدفاعية الأوكرانية والغربية وحدها.

ويأتي ذلك في ظل تصاعد المخاوف من تنامي القدرات الإيرانية في مجال الطائرات المسيّرة والصواريخ الدقيقة، ما يدفع عدداً من دول الخليج إلى إعادة تقييم خياراتها الدفاعية والبحث عن شركاء وتقنيات بديلة لتعزيز أمنها الجوي.

أوكرانيا.. نموذج مبالغ في تسويقه؟

وأشارت تقارير صحفية إلى أن الحكومات الغربية سعت، على مدى السنوات الماضية، إلى تقديم أوكرانيا باعتبارها مختبراً ناجحاً للتكنولوجيا العسكرية الحديثة. غير أن الواقع الميداني كشف أن كثيراً من الأنظمة التي يتم الترويج لها باعتبارها حلولاً سحرية تحتاج إلى بنية تحتية معقدة، وشبكات رصد متطورة، وقدرات تشغيل وصيانة مكلفة حتى تحقق النتائج المعلنة.

ولذلك لم يكن مستغرباً أن تواجه بعض الدول الراغبة في الاستفادة من الخبرات الأوكرانية تحديات حقيقية عند محاولة دمج تلك الأنظمة ضمن شبكاتها الدفاعية. فالمسألة لا تتعلق بشراء معدات فقط، بل ببناء منظومة متكاملة قد تستغرق سنوات طويلة وتحتاج إلى استثمارات ضخمة.

ويرى مراقبون أن هذه التحديات تثير تساؤلات متزايدة حول مدى قابلية تعميم التجربة الأوكرانية على بيئات أمنية مختلفة، خصوصاً في منطقة الخليج التي تواجه تهديدات ومتطلبات تشغيلية مغايرة.

وهنا يبرز سؤال مشروع: هل جرى تضخيم القدرات الدفاعية الأوكرانية لأسباب سياسية وإعلامية أكثر من كونها حلولاً عملية قابلة للتطبيق في جميع البيئات؟

واشنطن وأزمة الثقة المتراكمة

الأكثر أهمية من الجوانب التقنية هو البعد السياسي. فخلال العقد الأخير، تراكمت لدى عدد من العواصم الخليجية قناعة متزايدة بأن الولايات المتحدة لم تعد الشريك الأمني الحاسم الذي كانت عليه في العقود السابقة.

ويرى مراقبون أن التردد الأمريكي في حماية حلفائها في المنطقة، وتغيّر الأولويات الاستراتيجية نحو ملفات دولية أخرى، والانشغال بالمنافسة مع الصين، كلها عوامل دفعت حلفاء واشنطن التقليديين إلى إعادة تقييم رهاناتهم الأمنية.

ولم يعد خافياً أن العديد من دول الخليج باتت تنظر إلى السياسة الأمريكية باعتبارها سياسة متقلبة تخضع لتغير الإدارات والاعتبارات الانتخابية الداخلية أكثر مما تستند إلى التزامات استراتيجية طويلة الأمد.

وتوضح تقارير سياسية أن هذه المعطيات دفعت صناع القرار إلى البحث عن بدائل إضافية، وعدم الاكتفاء بالمصدر الأمريكي التقليدي مهما بلغت قوة العلاقات السياسية والعسكرية القائمة.

بكين تدخل المشهد من بوابة الأمن

في هذا السياق، تتحدث مصادر سياسية ودبلوماسية عن اتصالات غير معلنة تقودها قطر، إلى جانب عواصم خليجية مؤثرة، مع الصين لاستكشاف فرص الحصول على أنظمة دفاع جوي متقدمة، وطائرات مسيّرة مسلحة، وتقنيات مراقبة وإنذار مبكر أكثر تطوراً.

ولا تبدو هذه الخطوات منفصلة عن التحولات الدولية الكبرى. فالصين، التي رسخت حضورها الاقتصادي في الخليج خلال السنوات الماضية، تسعى اليوم إلى توسيع نفوذها في المجالات الأمنية والدفاعية، مستفيدة من تزايد الطلب الإقليمي على الشراكات البديلة.

ويرى مراقبون أن التعاون مع بكين لا يمثل بالنسبة للدول الخليجية مجرد صفقة تسليح جديدة، بل ورقة استراتيجية تمنحها مساحة أوسع للمناورة وتقلل من الاعتماد على طرف واحد في الملفات الأمنية الحساسة، وتحديداً الولايات المتحدة.

نهاية الاحتكار الأمريكي؟

التحركات الخليجية الحالية لا تعني بالضرورة القطيعة مع الولايات المتحدة، لكنها تشير بوضوح إلى تآكل مفهوم الاحتكار الأمني الذي حكم المنطقة لعقود طويلة.

فالعالم الذي تشكل بعد الحرب الباردة يختلف جذرياً عن العالم الحالي. ولم تعد الدول المتوسطة والقوى الإقليمية مستعدة لوضع أمنها القومي بالكامل تحت مظلة قوة واحدة، مهما بلغت مكانتها الدولية.

وتوضح تقارير دولية أن الاهتمام المتزايد بالصين وغيرها من القوى الصاعدة يأتي في إطار إعادة رسم شبكة التحالفات والضمانات الأمنية بما يتناسب مع نظام دولي يتجه نحو التعددية القطبية.

الخليج يرسم خريطته الجديدة

الرسالة الأهم التي تحملها هذه التطورات هي أن دول الخليج بدأت تتعامل مع أمنها القومي بعقلية أكثر استقلالية وبراغماتية. فبدلاً من انتظار الحلول القادمة من واشنطن أو المراهنة على تجارب عسكرية أثبتت محدوديتها خارج بيئاتها الأصلية، تتجه المنطقة نحو بناء خيارات متعددة وشراكات متنوعة.

ويرى مراقبون أنه إذا استمرت التهديدات الإيرانية في التطور، واستمرت الشكوك بشأن فعالية البدائل الغربية والأوكرانية، فإن السنوات المقبلة قد تشهد تحولاً استراتيجياً غير مسبوق في سوق التسليح الخليجي، وربما في التوازنات السياسية التي حكمت المنطقة منذ نهاية القرن الماضي.

عندها لن يكون السؤال: من يبيع السلاح فقط؟ بل من يملك القدرة الحقيقية على توفير الأمن في شرق أوسط يتغير بسرعة أكبر من أي وقت مضى.

تعليق عبر الفيس بوك

الأكثر قراءة

z