كان – عبدالستار ناجي
حينما يحضر المخرج الاسباني المقتدر بدرو المودفار تحضر اسبانيا بشمسها والوانها الباهية المشرقة . وهو هنا يستحضر الالم والمررة بكل الالوان ودرجاتها مع شخصيات تتحرك امامنا وتعيش معنا وايضا بدائلها في سيناريو تحت الكتابة وتحت التحضير .
فيلم – عيد الميلاد المرير – ليس مجرد فيلم بل درس في السينما من مخرج واستاذ كبير يعي حرفته ويفهم ابعادها ويشتغل بعشق لا تحدة حدود للفن السابع بدليل نشاطة الدائم فمنذ بدايته في العام 1985 من خلال فيلم – ماذا عملت كي احصل على كل هذا – وحتى اليوم قدم 20 فيلما بمعدل تقريبي كل عامين فيلم جديد يشغل العالم .
فيلم مزدحم بالشخصيات والاحداث والكلام وايضا الكلام الذي سرعان ما يذهب الى النسيان رغم كل اللغة الهندسية التى يشتغل بها المودفار على تصميم المشاهد والاضاءة واللغة البصرية والمقدرة على حضور الالوان .
وتعالوا نذهب الى المتن الروائي لهذا الفيلم في حيث ياخذنا بيدرو ألمودوفار ، الى حكاية مخرجة افلام تُنقل إلى المستشفى لفترة وجيزة، ويتعرف عليها الطبيب المعالج كمخرجة فيلم غير تقليدي من سنوات مضت. وفي الاشارة عمزة لاعمال المودفار الاكثر شعبية في اسبانيا .
يُعدّ فيلم "عيد ميلاد مرير" تأملاً متقناً ومتشعباً في الحرية الإبداعية، وملكية القصة، ومحاكاة الفن للحياة التي تحاكي الفن. وهو فيلمٌ يحمل بصمة ألمودوفاري بشكلٍ كامل حيث الحكايات تتداخل كما جملة افلامه وبايقاع دائري متسارع يجعل المشاهد يلهث بحثا عن خيوط التلاقي بين الشخصيات .
في الحين ذاته يعتمد المودفار على كوكبة من النجوم ( اجيال السينما الاسبانية ) عبر أداء مفعم بالحيوية والنشاط، وفي تصميمه البصري المميز الذي يُشبه علبة ألوانٍ زاهية، وفي سرده المزدوج، الغني بالنصوص الميتافيزيقية، عن فنانين يتبعون شغفهم، أحياناً بنتائج وخيمة وعلاقات فراق وحب وانفصال وبحث عن الذات واشارات الى التعدي على حقوق الملكية الفكرية .
في الفيلم كمية من الحكايات اعتبارا من المخرجة المريضة . اضافة الى حكاية إلسا التى تشعر بدافع قوي للعودة إلى كتابة السيناريوهات، مستلهمةً من المصائب التي تعاني منها صديقتاها باتريشيا (فيكي لونغو)، التي تحاول جاهدةً الخروج من زواج فاشل، وناتاليا (ميلينا سميت)، الأم الشابة التي فقدت زوجها مؤخرًا. وإذا كانت هذه الشخصيات وعلاقاتها غير واضحة المعالم إلى حد ما - بل ربما تبدو في مسودتها الأولى - فهذا هو المقصود تمامًا .
تدور أحداث قصة إلسا بأكملها، والتي تدور أحداثها بشكل عشوائي نوعًا ما في عام 2004، في الواقع، حول سيناريو غير مكتمل يكتبه راؤول روسيتي (النجم الأرجنتيني ليوناردو سباراليا)، وهو مخرج مرموق يتمتع بملامح مميزة تشبه ملامح ألمودوفار وتسريحة شعر فضية فخمة، والذي يعاني من ركود إبداعي منذ فترة. وبعد أن وجد نفسه في مأزق مع مشروعه الأخير، يلجأ إلى كتابة سيرته الذاتية المتخيلة، مستلهمًا خيوطًا قصصية دون إذن من حياة صديقته ومساعدته مونيكا (أيتانا سانشيز-خيخون) . وكم اخر من الحكايات التى تزدحم بشكل نظل نتساءل ( لماذا كل هذة الزحمة ؟ والي اين ستنتهي ؟ ).
وحتى لا ننشغل بالحكايات والشخصيات والمتاهات التى تذهب اليها الشخصيات نتوقف وبكثير من التأمل امام هندسة المخرج المودفار هذه التحف البنائية المصممة لكل مشهد وموقع تصوير بعناية هي في حد ذاتها مقنعة، باعتبارها نوعًا صريحًا من التفرد والبصمة التى يحملها هذا المخرج القدير .
وبعد نهاية الفيلم تختفي كل الشخصيات والاحداث والحكايات والكلام الذي لا ينتهي وتبقي الالوان الزاهية التى قدمها بدرو المودفار شاخصة في الذاكرة .. وهكذا هي سينما هذا الاسباني الذى يستلهم بصماته من زهاء الالوان في بلاده .
