النجد كمركز إنتاج وقاعدة للصناعات

 

 

 

 

د. عبدالله باحجاج

إذا احتكمنا لمسار الدولة الجديد الذي يبني مستقبل البلاد على اقتصاد مستدام وقوي، ويتبنَّى نظام اللامركزية لتنمية المحافظات وإقامة اقتصادياتها المحلية بناء على مزاياها ومقوماتها الذاتية، فإنَّ النظرة للنجد الزراعي بمحافظة ظفار ينبغي أن تتغير فورًا من التركيز على الزراعة إلى ما بعد الزراعة، وضمن منظومة الاقتصاد المحلي.

طبيعة النقاشات المحلية الوطنية تتركز حتى الآن حول الزراعة والإغراق في قضايا ضيقة الزمن مثل الرسوم، حتى دون الاعتداد بالبُعديْن الجغرافي والاجتماعي وتوجهات الدولة الاستراتيجية؛ فالقضية هنا ليست في الزراعة وإنما ما بعد الزراعة.

وحتى أسئلة وتعقيبات أعضاء مجلس الشورى أثناء استضافة المجلس لمعالي وزير الثروة الزراعية والسمكية وموارد المياه، لم تحاول أن تنقل حالة الإغراق، وهي الزراعة وإشكالياتها الراهنة إلى ما بعد الزراعة، ولو فكرنا في عملية الانتقال فسنجد فوائدها أعظم للخزينة والمجتمع والاقتصاد، وتتعدى حدودنا الوطنية، وتحديدًا خليجيًا، ولا نجد هناك مسوغًا لهذا التفكير بعد صناعة التوازن المالي، وتجاوز أسوأ الأزمات بعدد انكشاف حجم المديونية العُمانية في عام 2020، خاصةً الآن بعد ارتفاع أسعار النفط بسبب الحرب الأمريكية الصهيونية على إيران.

وتزداد القضية الآن بعد هذه الحرب وتداعياتها، في كيفية تحويل النجد من منطقة إنتاج أولى إلى قاعدة للصناعات الزراعية والغذائية تخدم الأمن الغذائي العُماني والخليجي؛ فهذه الحرب وتداعياتها وعدم اليقين في انتهائها رغم وقف إطلاق النار، ودروسها المستقبلية، تبعث بجرس إنذار خليجي مستقبلي، مفاده أن الأمن الغذائي لا يقل أهمية عن الأمن العسكري، فلا مجال الآن للاعتماد المفرط على الخارج في الغذاء وسلاسل الإمداد والنقل البحري. وسيظل مضيق هرمز ذا حساسية بالغة، كما أنَّ الموانئ والممرات البحرية يمكن أن تتحول في أي لحظة إلى نقاط اختناق، وأن الغذاء مرتبط بالطاقة والأسمدة، وأن الدول التي لا تملك قدرة على إنتاج وتصنيع غذائها ستكون أكثر هشاشة أمام الصدمات.

وحتى المؤسسات الدولية بدأت تتحدث عن أن "الأمن الغذائي هو أمن قومي"، ومن هنا تظهر الأهمية الاستراتيجية للنجد الزراعي في ظفار في ظل ما يتمتع به النجد من أراضٍ شاسعة للزراعة، وما يحققه الآن من اكتفاء ذاتي واعد بجهود مزارعين أغلبهم من المنطقة نفسها، وكذلك في ظل ما تتمتع به بلادنا من موانئ تقع على البحار المفتوحة كميناءيْ الدقم وصلالة، القريبين من منطقة النجد، وكذلك ميناء صحار الاستراتيجي، لذلك لم يعد منطق الزراعة وحدها كافيًا، إذا لم يقترن بمنطق ما بعد الزراعة، والمنطق الأخير سيكون بمثابة استجابة لفهم دروس الحرب واستيعاب إكراهاتها المقبلة، والعكس صحيح.

والشغل الوطني الشاغل الآن ينبغي أن يُركِّز على تحويل منطقة النجد إلى مركز زراعي، وفي الوقت نفسه إلى قاعدة صناعية زراعية وغذائية، استغلالًا للوضعية المالية المواتية، فليس من المصلحة الوطنية عدم الانتقال إلى هذا التحول، والاكتفاء ببيع المادة الخام دون تحويلها إلى مجموعة صناعات أبرزها: مصانع التعبئة والتغليف، ومصانع التمور والخضراوات المجففة، والعصائر، والسكر الأحمر، ومصانع إنتاج البصل المجفف (بودرة)، ومصانع أسمدة زراعية ووحدات التبريد والتخزين ومختبرات الجودة والسلامة الغذائية وشركات النقل والتصدير... إلخ، كما هو الحال في تجارب دول كثيرة.

وهذا التحول ينبغي أن تكون له الأولوية إن لم يكن الأولى في منظومة الأولويات الوطنية؛ فالنجد الزراعي في وضعه الحالي يُحتِّم إقامة مجموعة صناعات عاجلة كمصانع للتمور والعصائر والأعلاف بفضل الإنتاج الوفير، فمثلًا، من إجمالي 94 مزرعة بعدد 8680 فدانا تنتج بمتوسط قرابة 14 مليون بندلة (حزمة)، ولن تواجهنا إشكالية السيولة، فما يحققه جهاز الاستثمار العُماني من إيرادات تاريخية يمكن أن يوجِّه جزءًا منها إلى إقامة بنية تحتية لتحويل النجد إلى قوة اقتصادية تحل كل مشاكل البلاد الراهنة، بما فيها قضية الباحثين عن عمل، وتحسين مستويات المعيشة الاجتماعية التي تضررت من جراء مجموعة سياسات مالية. واليوم الإثنين يكشف جهاز الاستثمار في لقاء إعلامي عن إيراداته خلال 2025، والتي يصفها الجهاز بأنَّها تاريخية، وقد وُجِّهَت لنا الدعوة للحضور، وسنتناول ذلك في مقال لاحق.

الطموح الوطني الواقعي يتركَّز الآن على تحويل منطقة النجد إلى مركز زراعي وقاعدة صناعية زراعية وغذائية ومنصة أمن غذائي مستدام وآمن، وإذا ما توسَّعنا في طموحنا، فينبغي القول إنَّ النجد يجب ربطه بالأمن الغذائي الخليجي، وسيكون الخليج أكثر أمنًا وطمأنينةً على مستقبله الغذائي، لإمكانيات النجد الزراعية والغذائية والجيوستراتيجية؛ بفضل موانئنا وطبيعة دولتنا السلمية واستقرارنا السياسي والاجتماعي، وسنجد الخليج مُرحِّبًا بهذه الخطوة وداعمًا لها، خاصة الآن بعد دروس الحرب على إيران وتداعياتها، كإغلاق مضيق هرمز وتوقف الإمدادات وسلاسل التوريد، وليس هناك أي دولة خليجية لم تعتبر الآن الجغرافيا العُمانية عُمقًا استراتيجيًا للخليج في السلم والتوترات والحروب.

لو جرى استغلال النجد بمثل هذه التصورات والمسارات، فلن تكون قضية الباحثين عن عمل على درجة من الحساسية المفرطة كما هي الآن، والفرص هناك ستجدد سنويًا مع المخرجات الجامعية السنوية، وسيتم تحويل الشباب من باحثين عن عمل إلى رواد صناعات غذائية؛ فالصناعات الغذائية ليست مصانع فقط؛ بل منظومة وظائف تشمل التسويق والجودة والنقل والتقنية الزراعية والتجارة الإلكترونية وإدارة العلامات التجارية والتصدير.. إلخ، وهذا يخلق اقتصادًا محليًا متنوعًا فوائده المحلية والوطنية والإقليمية لا تُعد ولا تُحصى، وسيكون متماهيًا مع توجهات المسيرة المتجددة، ومنطقة النجد الزراعية مجرد نموذج على طبيعة الفرص وفوائدها المتعددة، ونقدمها فعلًا كنموذج للاستغلال الأمثل وفي الأوقات المناسبة، والوقت عنصر مُهم؛ بل هو الحدث الذي يصنع الفارق في دولة كبلادنا.

في كل محافظة هناك من الإمكانيات والفرص ما يجعلها تؤسِّس اقتصاديات مستدامة متنوعة ومتعددة، فإضافةً إلى الأمن الغذائي، يمكن أن تكون ظفار كذلك مركزًا لوجستيًا ومنطقة سياحية وتقام فيها صناعات سمكية وحيوانية، وينقص مثل هذه التحولات وجود عقل جديد يستغلها، ونظام اللامركزية يُوَفِّر هذا العقل، إذا ما تم تمكين الكفاءات في المواقع المناسبة.

الأكثر قراءة

z