من التمثيل إلى التأثير

 

د. أحمد بن موسى البلوشي

 

في عالم تتداخل فيه التحديات وتتسارع فيه التحولات، لم يعد الانخراط في المنظمات الدولية خيارًا بروتوكوليًا فقط، بل ضرورة، ومطلب استراتيجي. فالتعليم والعلوم اليوم يتجاوزان الحدود الوطنية، ويُعاد تشكيلهما عبر شبكات عالمية من الشراكات والمعرفة، ومع ذلك، يظل السؤال الجوهري قائمًا: هل تكتفي الدول بالمشاركة الشكلية في هذه المنظمات، أم تسعى إلى تحقيق تأثير حقيقي ينعكس على سياساتها وتنميتها؟

تتسابق الكثير من الدول إلى عضوية المنظمات الدولية، وتشارك في اجتماعاتها وفعالياتها. لكن في كثير من الأحيان، يظل هذا الحضور في إطار التمثيل الدبلوماسي، دون أن يتحول إلى مكاسب ملموسة على المستوى الوطني.

لا يتحقق التأثير الحقيقي بمجرد الحضور والمشاركة في المحافل الدولية، بل يتجسد عندما تنتقل الدول من موقع المتلقي إلى موقع الشريك الفاعل؛ من خلال الإسهام في صياغة الأجندات الدولية بدل الاكتفاء بتلقيها، وتوطين المبادرات العالمية بما ينسجم مع السياق الوطني وأولوياته، وتحويل التوصيات إلى سياسات وبرامج تنفيذية قابلة للتطبيق، إلى جانب الاستثمار الواعي في الشبكات الدولية لبناء شراكات مُستدامة تُعزّز من حضور الدولة وتأثيرها على المدى البعيد، يبرز تساؤل محوري حول كيفية الاستفادة الفعلية من عضوية المنظمات الدولية، ولتحويل هذه العضوية من إطار تمثيلي إلى أداة تأثير حقيقية، لا بد من تبنّي نهج استراتيجي متكامل يقوم على مواءمة المبادرات الدولية مع الأولويات الوطنية، بحيث لا تُستورد البرامج كما هي، بل تُكيّف بما يخدم الخطط التنموية مثل رؤية عُمان 2040، والخطط الخاصة بالوحدات والمؤسسات الحكومية، وربطها بقضايا محلية ذات أولوية كالتعليم والابتكار والبيئة وسوق العمل. كما تتطلب الاستفادة الحقيقية الاستثمار في بناء قدرات وطنية مُستدامة، من خلال نقل المعرفة، وتعزيز البحث المشترك، وتطوير الكفاءات القادرة على استدامة الأثر. وأخيرًا، يكمن التحول الأهم في الانتقال من دور المستفيد إلى الشريك الفاعل، حيث تُسهم الدول بخبراتها وتجاربها، وتبادر بطرح مبادرات نوعية واستضافة برامج دولية، بما يُعزز حضورها ويجعلها شريكًا مؤثرًا في صناعة القرار الدولي.

لتحقيق أقصى استفادة من المنظمات الدولية، لا بد من إعادة تعريف دور الجهات الوطنية لتتجاوز التنسيق الشكلي نحو الفاعلية الاستراتيجية؛ بحيث تعمل كبيت خبرة يربط بين المؤسسات المحلية والمنظمات الدولية، ومركز معرفة يجمع ويُحلل ويُوجه مخرجات التعاون الدولي، ومحفّز للابتكار يحوّل المبادرات الدولية إلى مشاريع وطنية ذات أثر ملموس. كما يُعد وجود رؤية واضحة، مدعومة بآليات متابعة وتقييم فعّالة، عنصرًا حاسمًا لضمان استدامة هذا الأثر وتعظيم نتائجه.

ومن هنا يبرز مفهوم الدبلوماسية العلمية كأحد الأدوات الحديثة لتعزيز هذا التوجه، حيث تُوظَّف العلوم والتعليم لبناء جسور التعاون الدولي وتحقيق المصالح الوطنية، ويتطلب ذلك إشراك العلماء والخبراء في العمل الدبلوماسي، وتعزيز حضور الدولة في اللجان الفنية الدولية، إلى جانب الاستثمار في المبادرات العابرة للحدود، بما يُعزز من مكانة الدولة كشريك معرفي مُؤثر في صياغة مستقبل العلم والتعليم عالميًا.

 في نهاية المطاف، لا تقاس قوة الدول بعدد عضوياتها الدولية، بل بقدرتها على تحويل هذه العضويات إلى قيمة مضافة. فالعالم اليوم لا يحتاج إلى دول حاضرة فقط، بل إلى دول مؤثرة تسهم في صياغة المستقبل، وتوظف الشراكات الدولية لخدمة أولوياتها الوطنية، وعليه، فإنَّ الإجابة على السؤال: هل نشارك، أم نؤثر؟  لا يجب أن تكون خيارًا بين مسارين، بل دعوة للانتقال من التمثيل إلى التأثير، ومن الحضور إلى الريادة.

 

تعليق عبر الفيس بوك

الأكثر قراءة

z