اقتصاد الحرب: حين تصبح الكلفة هي المعركة (5-9)

 

 

 

عبيدلي العبيدلي **

 

إن تقدير الكلفة الخليجية يجب أن يُبنى على التمييز بين المكاسب السعرية والخسائر التشغيلية والاستراتيجية. من حيث الإيرادات، يمكن لارتفاع السعر أن يولد زيادات كبيرة في الدخل النفطي.

لكن هذه الزيادة تُقابَل بخسائر تتصل بانخفاض بعض الكميات، وتعطّل بعض الخدمات، وارتفاع كلفة المخاطر، وتأجيل الاستثمار. وإذا أُخذت المنطقة كوحدة اقتصادية كلية، فإن التقدير المعقول يشير إلى أن صافي الأثر الاقتصادي على دول الخليج مجتمعة قد يقع ضمن نطاق 30 إلى 80 مليار دولار سنويًا كخسارة أو أثر سلبي صافٍ، رغم ارتفاع الأسعار، لأن ما يُكسبه البرميل في السوق قد يُفقده الممر في الواقع. وهذا ينسجم مع ما ذكره صندوق النقد من أن نمو دول مجلس التعاون سيتباطأ إلى نحو 2% في 2026، مع تباينات داخلية، وأن الأثر لن يقتصر على قطاع الطاقة بل سيمتد إلى القطاعات غير النفطية واللوجستيات.

وعند تفصيل هذه الكلفة داخل الخليج، تتضح فروق مهمة؛ فالسعودية، بحكم حجم اقتصادها ووجود منافذ تصدير بديلة نسبيًا مقارنة ببعض جيرانها، تبدو أقل تعرضًا من غيرها للاختناق المباشر في هرمز، وقد أشار صندوق النقد إلى أن نموها لا يزال مرشحًا لبلوغ 3.1% في 2026 رغم الحرب. لكن هذا لا يعني أنها خارج الكلفة؛ بل يعني أن كلفتها تأخذ شكلًا أكثر ارتباطًا بتأجيل بعض أولويات التحول الاقتصادي، وبزيادة الحاجة إلى تركيز الموارد داخليًا، وهو ما يتضح من قرار صندوق الاستثمارات العامة، الذي يدير نحو 925 مليار دولار، رفع حصة الاستثمارات المحلية إلى 80 % في استراتيجيته الجديدة 2026–2030. وهذا القرار، وإن كان قابلًا للتفسير تنمويًا، يحمل أيضًا معنى دفاعيًا واضحًا: كلما ازداد الاضطراب الإقليمي، تزايدت الحاجة إلى تحصين الداخل الاقتصادي. ومن ثم، فإن تقدير الخسارة السعودية الصافية ضمن نطاق 20 إلى 30 مليار دولار سنويًا يبدو مناسبًا إذا أخذنا في الحسبان التأثير على المشاريع، وكلفة المخاطر، والتأخير في مسارات التنويع.

أما الإمارات، فإن حساسيتها أعلى لأن جزءًا مهمًا من قوتها الاقتصادية يقوم على الخدمات، والموانئ، والتمويل، واللوجستيات. وهنا يصبح الضرر اللاحق بالفجيرة أكثر من تفصيل محلي؛ إنه علامة على أن جزءًا من الميزة التنافسية الإماراتية، القائمة على التحول إلى عقدة تجارية ولوجستية، صار معرضًا للاهتزاز. وعليه، فإن تقدير الكلفة الإماراتية ضمن حدود 15 إلى 25 مليار دولار سنويًا يبدو معقولًا، ليس بسبب النفط فقط، بل بسبب التأثير على الخدمات البحرية، والتجارة، والتمويل، والثقة الاستثمارية.

وفي الكويت، التي يعتمد اقتصادها بدرجة أكبر على النفط وأقل على التنوع الخدمي مقارنة بالإمارات، تبدو الكلفة أقل تعقيدًا من حيث القنوات، لكنها لا تُستهان بها. فالتقلب في الإيرادات النفطية، وارتفاع مخاطر العبور، والضغط على الموازنة، كلها عوامل تدفع إلى تقدير خسارة سنوية تقارب 5 إلى 10 مليارات دولار. البحرين، من جهتها، تبدو أكثر انكشافًا من زاوية التمويل والاقتصاد الصغير، ولذلك فإن خسارتها، وإن كانت محدودة بالقيمة المطلقة، قد تتراوح بين 2 و5 مليارات دولار سنويًا، وهي نسبة كبيرة نسبيًا إلى حجم اقتصادها. أما سلطنة عُمان، التي تعتمد بدرجة ملموسة على الموانئ والموقع الجغرافي والاستثمار، فتقع كلفتها في نطاق يقارب 3 إلى 7 مليارات دولار، بسبب تأثر اللوجستيات وتباطؤ بعض التدفقات الاستثمارية.

يبقى العراق حالة مختلفة لكنها شديدة الدلالة؛ فهو ليس من كبار الرابحين من ارتفاع الأسعار، ولا من الاقتصادات القادرة على امتصاص الصدمة بسهولة. إن موقعه الجغرافي، وهشاشته المؤسسية، واعتماده على النفط، وتداخل ساحته الداخلية مع توازنات الإقليم، كلها عوامل تجعل الحرب تُترجم فيه سريعًا إلى ارتفاع في المخاطر وانخفاض في الاستثمار. ومن ثم، فإن تقدير الخسارة العراقية ضمن نطاق 10 إلى 20 مليار دولار سنويًا يبدو منطقيًا، لا لأن الإنتاج النفطي ينهار بالضرورة، بل لأن البيئة الاقتصادية ككل تصبح أكثر هشاشة، وتتعاظم كلفة عدم الاستقرار على الاستثمار والنمو.

وإذا جُمعت هذه الصورة كلها في ميزان واحد، أمكن استخلاص نتيجة أكثر تركيبًا من مجرد القول إن طرفًا "يدفع أكثر" من طرف آخر. الولايات المتحدة تتحمل، في تقديري، كلفة إجمالية تقارب 170 إلى 300 مليار دولار سنويًا، لكن هذه الكلفة تقع على اقتصاد واسع قادر على الامتصاص، وإن كان بثمن سياسي ومالي متراكم. في حين تتحمل إسرائيل نحو 95 إلى 145 مليار دولار سنويًا، وهي كلفة أقل من الولايات المتحدة بالقيمة المطلقة، لكنها أكثر خطرًا كنسبة إلى حجم اقتصادها.

إيران تتحمل نحو 100 إلى 160 مليار دولار سنويًا، وهي الكلفة الأثقل نسبيًا، لأن الاقتصاد الأضعف يدفع الثمن ذاته تقريبًا دون أن يملك أدوات الامتصاص نفسها. دول الخليج مجتمعة تتحمل كلفة صافية تقارب 30 إلى 80 مليار دولار سنويًا، لا لأنها خاضت الحرب، بل لأن الحرب خيضت في قلب اقتصادها الجغرافي. والعراق يدفع ما بين 10 و20 مليار دولار بوصفه الاقتصاد الأكثر هشاشة أمام انتقال العدوى من الجغرافيا السياسية إلى الجغرافيا الاقتصادية.

** خبير إعلامي

الأكثر قراءة

z