الإجازة الصيفية.. ذاكرة تُصنع لا وقت يُهدر

 

 

 

د. ذياب بن سالم العبري

 

أسابيع قليلة فقط تفصل أبناءنا الطلبة في عُمان عن الإجازة الصيفية، ذلك الموسم الطويل الذي ينتظره الأبناء بفرح، وتستقبله الأسر بكثير من الأسئلة: كيف سنملأ هذا الوقت؟ ماذا سيفعل الأبناء؟ وكيف نحميهم من السهر الطويل، والفراغ، والشاشات المفتوحة، دون أن نحرمهم من حقهم الطبيعي في الراحة واللعب والفرح؟

والحقيقة أن الإجازة الصيفية ليست مجرد توقف عن المدرسة، بل هي اختبار تربوي هادئ لكل بيت. ففي المدرسة يتعلم الأبناء وفق جدول واضح، أما في الصيف فإنَّ الجدول يصبح في يد الأسرة والمجتمع. وهنا يظهر الفرق بين بيت يترك أبناءه للوقت، وبيت يحوّل الوقت إلى فرصة نافعة وذكرى جميلة. فالإجازة التي تمر بلا معنى تضيع من الذاكرة سريعًا، أما الإجازة التي يمتلئ فيها الابن بتجربة نافعة، أو مهارة جديدة، أو لحظة عائلية دافئة، فإنها تبقى معه عمرًا طويلًا.

ما أخشاه في كل صيف ليس أن يرتاح الأبناء، فالراحة حق لهم بعد عام طويل من الدراسة والاختبارات، ولكن أن يتحول الصيف إلى موسم من الفوضى الناعمة: نوم متأخر، واستيقاظ متأخر، وهواتف لا تفارق الأيدي، وأيام تتشابه حتى لا يبقى منها شيء في الذاكرة. وحين يعود الطالب إلى المدرسة، قد لا يكون خسر بعض المعلومات فقط، بل ربما خسر عادة الانضباط، ومتعة القراءة، وحيوية الجسد، وشيئًا من صلته بأسرته ومجتمعه.

قديمًا، لم يكن الناس يتحدثون كثيرًا عن “استثمار الإجازة”، لأن الحياة نفسها كانت تستثمر أبناءها بطريقة طبيعية. كان الابن يرافق والده إلى المزرعة، فيتعلم من النخلة معنى الصبر، ومن الفلج معنى النظام، ومن السوق معنى التعامل، ومن السبلة معنى احترام الكبير وحسن الإصغاء. لم تكن تلك الأيام مجرد أعمال يومية، بل كانت ذاكرة تتكوّن في وجدان الأبناء؛ ذاكرة النخلة، والفلج، والسوق، والسبلة، والبيت الكبير. لم تكن هناك برامج صيفية بمسمياتها الحديثة، ولكن كانت هناك حياة كاملة تقوم بدور المدرسة.

أما اليوم، فقد تغيّر الزمن. لم تعد الحارة كما كانت، ولا السوق كما كان، ولا علاقة الأبناء بالمزرعة والفلج والطين والنخيل كما كانت. دخلت الأجهزة الذكية إلى غرفهم، وأصبح الطفل يقضي ساعات طويلة أمام شاشة صغيرة، يرى ويسمع ويتأثر. ولهذا لم يعد من الحكمة أن نترك الإجازة تمضي بلا توجيه، ثم نلوم أبناءنا بعد ذلك على ما اكتسبوه من عادات.

الإجازة الصيفية لا تحتاج دائما إلى ميزانية كبيرة، ولا إلى سفر بعيد، ولا إلى تسجيل الأبناء في كل دورة تظهر في الإعلانات. أحيانا يحتاج الابن إلى أشياء أبسط وأبقى: كتاب جميل، ساعة مشي، زيارة إلى الجد والجدة، مشاركة في عمل البيت، حفظ شيء من القرآن، تعلم مهارة بسيطة، رحلة إلى مزرعة، جلسة مع كبار السن، نشاط رياضي، أو عمل تطوعي صغير يشعره بقيمة العطاء.

ومن الممارسات الناجحة التي تشير إليها بعض التجارب الدولية ما يمكن تسميته بالبرامج الصيفية المتوازنة؛ وهي برامج لا تجعل الصيف مدرسة ثقيلة، ولا تتركه فراغا مفتوحا، بل تجمع بين القراءة والمهارات الأساسية، والرياضة، والفنون، والرحلات، والأنشطة الاجتماعية. وتؤكد كثير من التجارب التربوية أن البرامج الصيفية تكون أكثر فائدة عندما تجمع بين التعلم والمتعة، وتوفر بيئة آمنة وجاذبة، وتحافظ على رغبة الأبناء في المشاركة، لا أن تجعلهم يشعرون بأنهم عادوا إلى فصل دراسي آخر.

وهذه الفكرة لا تحتاج أن ننقلها كما هي، بل أن نلبسها ثوبنا العُماني. يمكن أن يكون في كل ولاية برنامج صيفي بسيط تشارك فيه المدرسة، والنادي، والمكتبة، والسبلة، وبعض المتطوعين: يوم للقراءة، ويوم للرياضة، ويوم للتراث، ويوم لخدمة المجتمع، ويوم لاكتشاف المواهب. ليست العبرة بكثرة الأنشطة، بل بأن يشعر الأبناء أن المجتمع من حولهم يهتم بهم، ويفتح لهم أبوابا آمنة ومفيدة.

ومن أجمل ما يمكن أن نقدمه لأبنائنا في الصيف أن نعيد وصلهم بالمكان. كم من أبنائنا يعرف أسماء الأفلاج في قراه؟ وكم منهم يعرف قصة السوق القديم؟ وكم منهم يعرف أسماء الرطب والنخيل؟ وكم منهم جلس في سبلة ليستمع لا ليمر مرور العابرين؟ إننا نخاف على أبنائنا من ضعف الدرجات، وهذا خوف مشروع، لكننا لا ننتبه بالقدر نفسه إلى ضعف الصلة بالذاكرة والهوية والمكان.

وفي الوقت نفسه، الصيف ليس للذاكرة وحدها، بل للمستقبل أيضا. نريد لأبنائنا أن يعودوا إلى المدرسة وفي داخل كل واحد منهم شيء جديد: مهارة في القراءة، أو السباحة، أو الإلقاء، أو التصوير، أو الخط، أو البرمجة، أو إدارة الوقت، أو العمل الجماعي. ليس مهما أن يتعلم الابن عشر مهارات في صيف واحد، بل المهم أن يخرج من الإجازة وهو يقول بصدق: تعلمت شيئًا نافعًا.

أما الشاشة، فهي معركة الصيف الهادئة. لسنا ضد التقنية، ولا يمكن أن نعزل أبناءنا عن زمنهم، لكن الخطر أن تصبح الشاشة هي المربي الأول، والصديق الدائم، والوقت المفتوح بلا حدود. نحتاج إلى اتفاق أسري بسيط: وقت للشاشة، ووقت للحركة، ووقت للأسرة، ووقت للنوم. لا نحتاج إلى صراخ يومي، بل إلى نظام عادل يشارك فيه الجميع، حتى لا يشعر الأبناء أن التوجيه عقوبة، بل حماية ومحبة.

الإجازة الصيفية الناجحة ليست تلك التي تمتلئ بالصور فقط، ولا تلك التي تزدحم بالدورات والشهادات فقط، بل التي تترك في الابن أثرا طيبا: عادة نافعة، مهارة جديدة، علاقة أقوى بالأسرة، جسدا أكثر نشاطا، وعقلا أكثر فضولا، وقلبا أكثر قربا من وطنه ومجتمعه.

الإجازة الصيفية ليست فراغًا بين عامين دراسيين، بل موسم يمكن أن نزرع فيه الكثير. ليست وقتًا يُهدر، بل ذاكرة تُصنع، وعادة تُغرس، وقيمة تُربّى، وأثر يبقى في الأبناء بعد أن يعودوا إلى مقاعد الدراسة. والسؤال الذي ينبغي أن يبقى في ذهن كل أسرة ليس: كيف نقضي الصيف؟ بل: ماذا سيبقى في أبنائنا بعد أن ينتهي الصيف؟

تعليق عبر الفيس بوك

الأكثر قراءة

z