قوة الحياد.. سلطنة عُمان نموذجًا

 

 

 

د. محمد بن خلفان العاصمي

"منذ اللحظة التي بدأت فيها هذه الحرب، كان هناك، بالنسبة لهذه الدولة، سياسة واحدة فقط ممكنة، وهي الحياد". إيمون دي فاليرا

هذه المقولة الشهيرة تعود إلى رئيس وزراء أيرلندا إيمون دي فاليرا، خلال الحرب العالمية الثانية؛ حيث خرج هذا التصريح ليوضِّح موقف أيرلندا الرسمي بتبني سياسة الحياد الصارم، والسبب يعود لرغبة إيرلندا في الحفاظ على سيادتها؛ حيث اعتبر دي فاليرا أن الطريقة الوحيدة لحماية استقلال أيرلندا، وتجنُّب الانجرار إلى حرب مُدمِّرة لا تخدم مصالحها الوطنية هو الحياد التام، وعلى الرغم من الضغوط البريطانية للمشاركة، والتعاطف الشعبي الأيرلندي مع الحلفاء، أصر دي فاليرا على أن مشاركة أيرلندا- التي كانت مُقسَّمة- ستؤدي إلى حرب أهلية أو دمار شامل.

عندما قررت سلطنة عُمان انتهاج الحياد الإيجابي، كأحد مرتكزات السياسة الخارجية، كانت تدرك أن هذا الخيار يتطلب قدرًا كبيرًا من القوة والعمل الدبلوماسي والسياسي، وبناء أكبر قدر ممكن من الصداقات والعلاقات الدولية، وفي نفس الوقت العمل على تجاوز كل الخلافات العالقة، وبناء جسور من التواصل حتى مع تلك الدول التي حملت السلاح أو موَّلت ودعمت المعتدين في الحروب التي تجاوزتها خلال تلك الفترة. وهذا القرار الذي كان يعني تحولًا استراتيجيًا في المنطقة العربية التي لا تهدأ ولا تكاد تخمد فيها أزمة إلا وتثور أزمة أخرى.

في بداية النهضة المباركة مباشرةً، شكَّل السلطان قابوس بن سعيد- طيب الله ثراه- وفدًا ضم 6 من الشخصيات العُمانية البارزة في تلك الفترة، وقد سُمي بـ"وفد الصداقة العُمانية"، وتألف من: الشيخ سعود بن علي الخليلي، وعبدالله بن محمد الطائي، والشيخ هلال بن علي الخليلي، والشيخ محمد بن حمد بن سليمان الحارثي، ويوسف بن علوي بن عبدالله، والشيخ أحمد بن محمد النبهاني، وزار هذا الوفد 13 دولة عربية خلال 43 يومًا، وكان يحمل رسالة من السلطان إلى هذه الدول، ويهدف إلى تعريف الدول العربية بسلطنة عُمان الحديثة، وتعزيز الروابط الأخوية، وشرح أهداف النهضة التي بدأت في 1970، وإظهار حُسن النوايا وبداية عهد جديد في السياسة العُمانية قائم على التعاون والسلام والحياد وعدم التدخل في شؤون الدول الأخرى وحسن الجوار واحترام سيادة الدول واستقلالها.

لقد كانت رسالة سلطنة عُمان واضحة للعالم العربي والعالم أجمع، وقد حقق هذا الوفد نتائج إيجابية تكلَّلت بانضمامها لجامعة الدول العربية وهيئة الأمم المتحدة، وجميع المنظمات الدولية، ووقعت على جميع الاتفاقيات والمعاهدات الدولية الخاصة بهذه المنظمات، ومضت سلطنة عُمان على النهج الذي أعلنه السلطان قابوس عند توليه الحكم وهو بناء علاقات صداقة مع جميع دول العالم، وهذا النهج هو الأساس الذي تقوم عليه مرتكزات السياسة العُمانية والعامل الأساسي الذي تستطيع من خلاله تحقيق هذه المرتكزات والمبادئ، وعلى نفس النهج مضى حضرة صاحب الجلالة السلطان هيثم بن طارق المعظم- حفظه الله ورعاه.

لقد انتهجت سلطنة عُمان سياسة قائمة على الحياد الإيجابي منذ بدايات النهضة المباركة، ولذلك كانت هي الدولة التي تسعى لنزع فتيل التوتر وتجنب الصراعات والنزاعات المسلحة، وساهمت على مدى أكثر من نصف قرن في وَأْدِ أزمات كادت أن تعصف بالمنطقة، وتدخلت في أكثر من مناسبة للتسوية بين الأطراف المتنازعة خاصة في دول الجوار، وعملت بجهد كبير في ملفات سياسية معقدة جدًا مثل الملف النووي الإيراني، واستطاعت أن توفق بين القوى المتنازعة في اكثر من دولة مثل اليمن الشقيق والجمهورية الليبية، كما بذلت جهودًا حثيثة في تطبيق المبادرات الدولية لحل القضية الفلسطينية، ورعت مفاوضات متعددة لأطراف الصراع في أكثر من دولة.

سياسة الحياد الإيجابي، قوةٌ وليست ضعفًا، كما يحاول أن يصورها العاجزون الذين أدركوا ذلك وتيقَّنوا أن القيام بهذا الدور لا يمكن أن يكون إلّا من دولة تملك خصائص معينة، دولة تملك أصدقاء في كل مكان وعلاقات دبلوماسية قائمة على الثقة والاحترام المتبادل، دولة تملك قوة التأثير وفهمًا عميقًا للعلاقات الدولية، دولة ذات تاريخ عريق وماضٍ قوي من المُمارسة السياسية والخبرة في إدارة شؤونها الداخلية، دولة ذات ثقل وقوة وتأثير عبر التاريخ، فالحياد الإيجابي ينطلق من موقف قوة ومن أساس قوي يحتاج إلى عمل سياسي كبير ومتواصل على مدى سنوات طويلة، وهو ليس حالة عابرة فمن اعتاد على الخيانة والغدر ونقض العهود والمواثيق والاتفاقيات وتمويل المشاريع التخريبية لن يكون يومًا وسيطًا موثوقًا، ولن يكون حيادي المنهج السياسي؛ لذلك فالحياد قوة.

الحياد الإيجابي قوة؛ لأن الجلوس على طاولة المفاوضات يتطلب ثقة في الوسيط، والحياد بمجمله قوة لأن البقاء على مسافة واحدة بين الفرقاء يتطلب سموًا فوق المصالح، ونزاهة عالية وانكارًا للذات وترفعًا عن الغدر والتلاعب والغش والخداع. والحياد يتطلب نظرة محايدة للمواقف السياسية بعيدًا عن حسابات المكاسب والمصالح خاصة الاقتصادية. والحياد حالة لا تتوافق مع البراجماتية السياسية التي تُعاني منها كثير من الأنظمة، وخاصة تلك الأنظمة الطموحة التي ترى أن العالم يُحكم بشريعة الغاب، وأنَّ القوي يجب أن يأكل الضعيف، تلك الأنظمة التي اعتادت على أن تبحث عن الموارد في أراضٍ غير أراضيها، وأن تملأ خزائنها بمقدرات شعوب مُضطهدة تَئِن من الفساد، تلك الدول التي أتقنت صناعة الحرب والأزمات حتى تجد بيئة مناسبة للنهب.

إنَّ قوة الحياد العُماني تكمُن في العمل والجهد الذي بذلته طوال عقود طويلة من السياسة القائمة على مبادئ ومرتكزات ثابتة وعلاقات دبلوماسية قوية، ونهج راسخ مبني على الثقة والمصداقية؛ لذلك استحقت سلطنة عُمان أن تكون نموذجًا متفردًا لقوة الحياد.

الأكثر قراءة

z