عبد الله العليان
فاجأ الرئيس الأمريكي دونالد ترامب العالم الأسبوع المنصرم، في الأزمة مع إيران وتداعياتها القائمة، أنه اتخذ قرارًا بتسيير ما أسماه بـ"مشروع الحرية"، في مضيق هرمز، وحمايته بمدمرات موجه بالصواريخ، وخمسة عشر ألفًا من الجنود الأمريكيين، وماِئة طائرة حربية، وهدف هذا المشروع كما قال الرئيس ترامب، تسيير السفن العالقة في مضيق هرمز، دون تقييد بعض السفن التي تراها إيران سفن معادية لها، وتريد الولايات المتحدة، كسر الحصار الإيراني على المضيق.
لكن بعض التحليلات السياسية ترى أن هذا المشروع (الحملة الأمريكية) تحت هذا المسمى، يهدف إلى تعزيز سيطرة الولايات المتحدة على تلك الموقع المهم لتجريد إيران من ورقة سياسية واقتصادية مهمة في هذه الأزمة التي قد لا تنتهي بالسلام عبر المفاوضات حسب بعض التقديرات، بل بالحرب، وقد تكسب إيران من ورقة مضيق مكاسب مهمة في المفاوضات إن كُتب لها النجاح، أو توقف مخطط الحرب الذي يدفع به نتنياهو بقوة من خلال الرئيس ترامب من خلال التواصل معه، الذي يرى العديد من المتابعين أن الحرب وما يجري من تشدد إمريكن تجاه التخصيب، إنما هو من أفكار نتنياهو ومن اليمين في حزبه في إسرائيل، الذي لا يريد السلام أن يقع في المنطقة لكي ينجح مشروع إسرائيل الكبرى! بل يهمه أن تعود الولايات المتحدة للحرب، مع أن هناك تبعات كبيرة وضخمة لو عادت الحرب مرة أخرة على الولايات المتحدة وأروبا، بسبب الآثار الاقتصادية الضخمة، لو حصلت حرب جديدة ضد إيران.
صحيحٌ أن إيران ستلحقها أضرار كبيرة لا شك في ذلك، لكنها لن تقبل الفرض عليها بالشروط، أو القبول الاستسلام. ولا شك أن هدف الحرية ومشاريها النبيلة في أصولها العامة، يجب ألا بزج بها في الصراعات والمزايدات السياسية، أو جعلها أسلوبا مبطنًا للحروب والضغوط العسكرية، وهذا ما حدث مع مشروع الحرية الأمريكي، كوسيلة من وسائل الضغوط في هذا الصراع المحتدم، إلى جانب حصار الموانئ الإيرانية.
ولا شك أن هذه التطورات المرتبطة بـ"مشروع الحرية"، تُبرز أن المشهد الراهن المتوتر القائم الآن، ربما يحول التوازنات بين الطرفين أقرب للهشاشة من التقارب الواضح بينهما في المفاوضان، لعدم الثقة خاصة من الجانب الإيراني تجاه الجانب الأمريكي، لسوابق من المواقف التي هي أقرب للخداع السياسي من الجدية في المفاوضات المجردة من الأهداف الأخرى؛ حيث تسعى الولايات المتحدة إلى تأمين حرية الملاحة في مضيق هرمز، دون الانزلاق إلى مواجهة عسكرية مع إيران، لأسباب سياسية واقتصادية عديدة، بما تجره من مشكلات كبيرة على العالم، خاصة قضايا الطاقة والأسعار بسبب تأثير أي حرب تقام تشكل أغلاق مضيق هرمز من خلال وسائل عديدة منها تلغيم ممرات المضيق أو استهداف الناقلات، أو غيرها من الوسائل. ولذلك فإن مشروع الحرية الذي طرحه الرئيس ترامب كوسيلة من وسائل الضغط، لن يحقق نجاحا كاملًا لمرور تسيير السفن العالقة في المضيق، وإيران تعتبر أن ورقة المضيق هي أهم الأوراق في وجه الضغوط الامريكية، لفرض الشروط على إيران، ومحاولة التخلي عن بعض الشروط التي قدمتها في إسلام آباد، للطرف الأمريكي.
ولذلك حذر وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي، الولايات المتحدة من مواصلة "مشروع الحرية"، وقال إنه يدفع بالأزمة إلى مزيد من التوتر، ووصف مشروع الحرية الذي أعلنت عنه الولايات المتحدة في مضيق هرمز بأنه مشروع يسير في طريق مسدود. وأكد في تصريحاته "أن الأحداث في المضيق، تثبت بوضوح أنه لا توجد حلول عسكرية للأزمة السياسية الراهنة، داعيًا الأطراف إلى الحذر من لإثارة مشكلات أخرى تزيد ولا تشجع المفاوضات".
ومن جانب آخر، قال وزير الحرب الأمريكي بيت هيغسيث، إن وقف إطلاق النار بين الولايات المتحدة وإيران، لا يزال ساري المفعول، وأن وقف إطلاق النار لم ينتهِ.
ويرى بعض المحللين أن هدف الولايات المتحدة من خلال هذا المشروع، الذي لم يتم استشارة دول المنطقة، وربما دول أوروبية في الاتحاد الأوروبي، إلى إعادة فتح مضيق هرمز أمام الملاحة البحرية، وبالتالي أمام تجارة النفط العالمية، وتناشد قوى إقليمية ودولية، بصفتها وسطًا، للعودة إلى الدبلوماسية، لإنهاء الحرب وضبط النفس، والعودة إلى التفاوض لحل بعض القضايا المختلف عليها، بين الولايات المتحدة وإيران.
ولعل الأزمة العميقة من الطرفين التي تكمن في مسألة غياب الثقة، خاصة من الجانب الإيراني، الذي يرى عدم جدية الولايات المتحدة في الوصول إلى حلول متوازنة بين الطرفين، ويبرزون أن الولايات المتحدة تصر، إما على الاستسلام لها، لأنها خسرت الحرب، أو القبول بكل الشروط من جانبها، وهذا ما ترفضه إيران، ومنها تسليمها، أي الولايات المتحدة اليورانيوم المخصب! وهذا ما تعتبره إيران من أساسيات السيادة الوطنية، والإشكال أن الولايات المتحدة، من خلال الرئيس ترامب أنه لا يكف عن التهديد باتخاذ القوة لإذعان إيران بالقبول أو القضاء عليها وعلى حضارتها، وإرجاعها إلى العصور الحجرية!
وهذا القول لاقى استهجانا واستغرابا أن يقال هكذا من رئيس دولة كبرى، ولكن من جانب آخر ومن خلال بعض مستشاريه يرون أن الحرب على إيران آثارها أكبر من عدم الدخول في حرب مرة ثانية بعد الحربين السابقين، لأن آثارهما الاقتصادية والسياسية ستكون وخيمة على أمريكا وأوروبا، وكل العالم، خاصة ما يترتب على المضيق من إغلاق وفق التهديدات الإيرانية لو قامت الحرب.
ولذلك فإن زيارة الرئيس الأمريكي للصين قد تكون مخرجًا لطرح حلول معدلة لمشكلة المضيق، مقابل وقف حصار الموانئ الإيرانية وإنهاء ما يسمى بمشروع الحرية من خلال القوة العسكرية، وفتح المضيق، والالتزام بوقف الحرب والتعويضات، وجعل التخصيب يخضع للوكالة الدولة، مع إشراف من بعض الدول الكبرى.. أما قضية الحرية كما وضعت، بعيدًا عن الاستخدام السلبي لها، وعن التلاعبات السياسية من خلال المزايدات الأيديولوجية.. سيكون لها حديث آخر..
