أحمد بن محمد العامري
في كل مرحلةٍ من التاريخ تظهر قوى تتوهم أنها بلغت من القوة ما يجعلها فوق المساءلة وفوق التحولات وفوق قوانين التاريخ نفسه. تمتلك الجيوش وتفرض الهيمنة وتحتكر الرواية السياسية والإعلامية، فتتصرف وكأنَّ وجودها قدرٌ أبدي لا يُمكن تغييره.
ومع مرور الزمن، يتحول هذا الوهم لدى بعض الناس إلى قناعة راسخة بأن الواقع القائم لا يمكن أن يسقط، وأن موازين القوة الحالية هي النهاية الطبيعية للتاريخ. ومن هنا، يتكرر الخطاب الذي يصف الكيان الصهيوني بأنه “أمر واقع” لا يمكن تجاوزه وأن الحديث عن زوال الاحتلال مجرد عاطفة أو خيال سياسي بعيد عن المنطق. لكن قراءةً صادقة للتاريخ تكشف أنَّ أكثر ما سقط عبر العصور هو ذلك "الغرور" الذي جعل القوى المُهيمنة تظن نفسها خالدة.
التاريخ البشري لم يكن يومًا خطًا ثابتًا تسوده قوة واحدة إلى الأبد. فالإمبراطوريات التي ملأت الأرض جيوشًا ونفوذًا واقتصادًا كانت تبدو في زمنها وكأنها نهاية التاريخ، حتى إن الشعوب الواقعة تحت هيمنتها فقدت أحيانًا القدرة على تخيل عالمٍ من دونها. الإمبراطورية الرومانية، على سبيل المثال لم تكن مجرد دولة قوية، بل كانت مشروعًا عالميًا ضخمًا امتد لقرون طويلة حتى ظنَّ الرومان أن روما خُلقت لتحكم العالم إلى الأبد. ومع ذلك، سقطت حين استبد بها الفساد والظلم. وكذلك الإمبراطورية الفارسية التي أرعبت الأمم بقوتها، ثم تفككت رغم اتساع نفوذها وهيبتها. وحتى فرعون، الذي قدّمه القرآن رمزًا للطغيان المطلق، كان يعتقد أنَّ سلطانه لا يُهزم، فقال لقومه: "أنا ربكم الأعلى"، لكن نهايته بقيت شاهدًا على أن القوة حين تنفصل عن العدل تتحول إلى سببٍ للهلاك لا إلى ضمانٍ للبقاء.
هذه السُنن لا تتغير بتغير الأزمنة. فالقوة العسكرية وحدها لا تمنح الشرعية الأخلاقية والتفوق السياسي لا يستطيع أن يمحو حقوق الشعوب أو يقتل ذاكرتها، قد تنجح قوى الاحتلال في فرض واقعٍ بالقوة مرحليًا لسنوات أو لعقود، لكنها تبقى عاجزة عن تحويل الظلم إلى حقيقةٍ أخلاقية مقبولة. فالأوطان ليست مجرد خرائط تُعاد صياغتها بالسلاح، والشعوب ليست أرقامًا يمكن اقتلاعها من التاريخ ثم مطالبتها بالنسيان.
هذا الكيان الصهيوني الغاصب، قطعًا "أرضنا ليست أرضه ولا سماؤنا سماؤه" وعدوّنا الأبدي مهما طال الزمن، ومصيره إلى زوال مهما امتلك من قوةٍ ودعم. فالاحتلال مهما بدا راسخًا يظل حالةً مُؤقتة في ميزان التاريخ، لأنَّ الجغرافيا لا تتغير بالفرض والهوية لا تُمحى بالسيطرة والحقوق لا تسقط بالتقادم. ويبقى الرجاء بالله، ثم بالأجيال القادمة التي تنشأ مع وعيٍ متجدد وإدراكٍ أعمق لمعنى الحق والكرامة، تلك الأجيال التي تحمل في داخلها قدرة تحويل اليأس إلى فعلٍ تاريخي جديد، وفي هذا السياق، تبرز أهمية الذاكرة الجمعية للشعوب، فهي ليست مجرد سردٍ للماضي؛ بل قوة مقاومة طويلة الأمد ضد محاولات طمس الحقيقة. فحين تُمحى الذاكرة يسهل إعادة تشكيل الواقع، وحين تبقى حية يصبح الاستسلام أصعب مهما طال الزمن. لذلك، فإن الصراع في جوهره لا يدور فقط حول الأرض، بل أيضًا حول الرواية، وحول من يملك حق تعريف ما حدث وما يحدث.
وقد عبّر الشاعر الجواهري عن هذا المعنى العميق حين رسم صورة لجيلٍ قادمٍ ينهض من قلب الإحباط والهزيمة، جيلٍ لا يستسلم للواقع المفروض؛ بل يعيد تعريف الممكن نفسه بقوة الإرادة والإصرار بقوله:
سينهض من صميم اليأس جيلٌ
مريدُ البأسِ جبارٌ عنيدُ
يقايضُ ما يكون بما يُرَجَّى
ويَعطفُ ما يُراد لما يُريدُ.
هذا الكيان الصهيوني الغاصب رغم ما يحظى به من دعمٍ سياسي وعسكري من قوى الشر، لا يمكن فصله عن هذه القاعدة التاريخية. فكل مشروعٍ يقوم على القوة المجردة دون أساسٍ أخلاقي أو قبولٍ تاريخي يظل مشروعًا هشًا مهما بدا صلبًا. وقد أثبتت التجارب أن القوة وحدها لا تصنع شرعية، وأن الشرعية الحقيقية تنبع من توافق التاريخ مع العدالة لا من فرض الأمر الواقع، وربما يكون أخطر ما تواجهه الشعوب ليس فقط الاحتلال الخارجي، إنما ترسيخ فكرة أن هذا الاحتلال طبيعي ودائم. فحين يتحول الاستثناء إلى قاعدة في الوعي، يصبح التغيير أكثر صعوبة. لذلك فإن استعادة الوعي بالتاريخ ضرورة لفهم أن ما يبدو ثابتًا اليوم قد لا يكون كذلك غدًا، وأن ما يُقدَّم كحقيقة نهائية قد يكون مجرد مرحلة من مراحل التحول.
إنَّ التاريخ لا يمنح ضمانات لأحد ولا يعترف بالخلود السياسي. وما بين صعود القوى وسقوطها، يبقى الدرس الأعمق "أن الظلم مهما طال يحمل في داخله بذور نهايته"، وأن الشعوب مهما ضعفت، لا تفقد حقها في أن يصنع الزمن القادم معنى مختلفًا لما يبدو اليوم مستحيلًا.
