آية السيابي
شهدت الفترة الأخيرة تذبذبًا نسبيًا في حركة الأسواق، التي تأثرت بتصاعد الضغوط السياسية والاقتصادية في المنطقة، وامتد أثرها بدرجات متفاوتة إلى المشهد العالمي، وأحدث هذا توترًا في الصورة النمطية لإقليم الخليج كملاذٍ آمنٍ للاستثمارات طويلة المدى التي تقف على توازن معادلة استقرار الأمن والعائد المادي.
لكن في هذا السياق، تبرز عُمان- بفضل نهجها المُتَّزِن وحيادها السياسي- كخيار فوري وذكي للمستثمرين الساعين إلى الحفاظ على ثرواتهم، لا سيما في القطاع العقاري. ويظهر السوق العُماني اليوم قدرة لافتة على البقاء بمنأى عن دورات التوتر، سواء من حيث حدّتها أو امتدادها الزمني، وهو ما يُعزز بشكل مباشر مستوى الثقة في الأصول العقارية.
وإلى جانب عامل الاستقرار، تقدم عُمان معادلة استثمارية جاذبة في القطاع العقاري. إذ لا تزال أسعار الدخول إلى السوق عند مستويات تنافسية مقارنة بالأسواق الإقليمية الأكثر نضجا، في حين تدعم فرص النمو الرأسمالي على المدى الطويل عوامل موضوعية، أبرزها التوسع المستمر في مشاريع البنية الأساسية والنمو السكاني. وتخلق هذه المعادلة توازنا نادرا بين القدرة على الدخول بتكلفة مدروسة اليوم، وتحقيق قيمة مضافة مستقبلية.
وفي موازاة ذلك، أدخلت سلطنة عُمان خلال السنوات الأخيرة حزمة من الأُطر التشريعية الحديثة التي أعادت صياغة بيئة الاستثمار؛ فقد أسهمت عدة قوانين- مثل قانون الاستثمار الأجنبي، وقانون الشراكة بين القطاعين العام والخاص، وقانون الإفلاس- في ترسيخ بيئة قانونية أكثر شفافية. وتساعد هذه المنظومة على تقليص المخاطر التشغيلية، وتعزيز القدرة على التنبؤ بالعوائد، ومنح المستثمرين رؤية أوضح للتخطيط طويل الأمد. كما تتيح المجمعات السياحية المتكاملة للأجانب تملك العقار بنظام التملك الحر، وغالباً ما يرتبط ذلك بإمكانية الحصول على الإقامة، مما يُعزز من جاذبية عُماننا كوجهة استثمارية ومعيشية في آنٍ واحدٍ.
ويقوم الاستثمار العقاري الذكي، بطبيعته، على استباق النمو بدلًا من اللحاق به، وهو ما تُجسِّده السلطنة بوضوح عبر استثماراتها المكثفة في البنية الأساسية من طرق وموانئ ومدن جديدة ومناطق اقتصادية قبل تشكل الطلب الفعلي. وقد بدأت هذه الرؤية طويلة الأمد تتحول إلى قيمة عقارية ملموسة بواسطة مطورين مثل شركة الصاروج للتطوير، التي تركز على إنشاء مجتمعات متكاملة مخططة وفق أسس عمرانية حديثة، ترتكز على البنية الأساسية وتستهدف تحقيق قابلية العيش المستدامة والأداء الاستثماري طويل الأجل.
وتعكس مشاريع مثل "حي واحة الصاروج" ضمن "مدينة السلطان هيثم" هذا التحول؛ حيث لم يعد التطوير يُنظر إليه كمشروع عقاري منفصل فقط، ولكن كجزء من منظومة متكاملة تجمع بين الاستخدامات السكنية والتجارية والمجتمعية. ويعكس هذا النهج نضجا متزايدا في السوق، يقوم على خلق القيمة من خلال التخطيط المتكامل، والربط الحضري، وتحسين جودة الحياة، بدلًا من الاعتماد على المضاربات قصيرة الأجل وهو عامل يكتسب أهمية مُتزايدة لدى المستثمرين؛ سواءً الأفراد أو المؤسسات.
وعلى خلاف الأسواق المرتبطة بمحرك اقتصادي واحد، يمضي وطننا عُمان قدمًا ضمن استراتيجية واضحة لتنويع الاقتصاد، تشمل قطاعات النفط والغاز (مع توسُّع في الصناعات البتروكيماوية)، والطاقة المتجددة، والمناطق الحرة مثل الدقم وصحار وصلالة، إلى جانب القطاع الصناعي الذي تقوده "مدائن"؛ حيث يسهم هذا التنويع في توليد طلب متعدد المصادر على العقار بمختلف أنواعه: مثل السكني والصناعي والتجاري. كما يعزز من مرونة السوق في مواجهة التقلبات.
أما التباطؤ النسبي الذي شهدته السوق خلال السنوات الماضية، فما هو إلّا عملية إعادة توازن. وتشير تقديرات القطاع إلى أنَّ السوق يمُر بمرحلة تصحيح صحي عقب فترة من النمو غير المستدام، وهو ما يفتح المجال أمام فرص استثمارية أكثر نضجا وتوازنا وأقل مخاطرة.
ومن المهم الإشارة إلى أنَّ القطاع العقاري في عُمان لم يعد يعمل وفق أنماط تقليدية؛ حيث إنه يشهد تحولًا مُتسارعًا نحو الاستدامة والتكامل التقني، من خلال تبنِّي الطاقة الشمسية وإدماج تقنيات الذكاء الاصطناعي في عمليات البناء. وتسهم هذه التحولات في تطوير بنية تحتية أكثر ذكاء، وتعزيز القيمة المستقبلية للأصول العقارية، ومواءمة السوق مع المعايير العالمية المتجددة في الاستثمار.
وبالنسبة للمستثمرين في القطاع العقاري على وجه الخصوص، تُتيح سلطنة عُمان نافذة فرصة فريدة: سوق مستقرة ومنظمة، لا تزال في مراحلها المُبكرة من دورة النمو؛ حيث يمكن أن يترجم الدخول الاستراتيجي اليوم إلى عوائد مجدية على المدى الطويل. ومن هذا المنطلق، تمثل عُمان تموضعا استثماريا مدروسا لمن يتطلعون إلى ما هو أبعد من تقلبات اللحظة نحو قيمة مُستدامة.
