يجود علينا الخيِّرون

 

 

د. صالح الفهدي

كثيرًا ما كانت أُمي- رحمةُ الله عليها- تردِّدُ بيتًا شعريًّا، يحفظه الكثير من العُمانيين، يقول:

يَجُودُ عَلَيْنَا الخَيِّرُونَ بِمَالِهِمْ

وَنَحْنُ بِمَالِ الخَيِّرِينَ نَجُودُ

وهذا البيت يمثِّل خُلقًا من أخلاق العُمانيين، وهو خُلق التهادي بين بعضهم البعض بما تجودُ به أنفسهم، وإمكاناتهم، وما أجمله من خُلق حين يحل موسم من المواسم أكان موسم القيض فيتهادون ما يسمونه (تباشير) الرطب، وهي هديةٌ تعدُّ ثمينةً، أو مواسم المحاصيل المختلفة التي يتذكرون بها من يعزُّ عليهم، فيقومُ هو بدورهِ في توزيع ما يُهدى إليه إلى الآخرين من جيرانه وأقربائه أو أنه يتهادون دون مناسبة تُذكر.

هذا الخُلق لا يزال عِرقهُ ينبُضُ في نفوس العُمانيين، فتجدهُ عند الإنسان البسيط قبل أن تجدهُ عند الإنسان الذي وسَّع الله عليه في الرزق، يبادرون بالتهادي أكان في رمضان أم في وقت الأعياد أو الأوقات الأُخرى من السنة. وما أجمل أن تسمع أُمًّا من الأُمهات تقول: لقد تركتُ لك كيسًا من التمر، أو زجاجةً من السَّمنِ أو العسلِ أو غير ذلك، وما أطيب أن تسمع من يقول لك: لقد نويتُ لك برأسٍ من الماشية، أو طلبتُ لك عسلًا، أو أنَّه يأتيك بما تجودُ به يمناهُ من عطايا.

هذه الهدايا البسيطة التي يجولُ بها مواطنٌ بسيط جاءَ من قريتهِ إلى المدينةِ إنَّما تعبِّرُ عن جوهر مجتمعنا العُماني الذي عُرفَ بجوده، وكرمه، رغم بساطته الماديَّة، وقلَّة ما في يده، لكن نفسه جوادةٌ، معطاءة، لا يتردَّدُ في الإهداءِ، ولا يقبضُ كفَّهُ عن العطاء.

لكن من العجيب أن يمنع البعض العطايا فلا يتقبلونها، وهي مهديَّةٌ لهم لا لغرضٍ من أغراض المصلحة، وإنما لتواصل العلاقة، ودوام المودة، فقد أخبرني بعض المعارف أنهم حاولوا إرسال عطاياهم لبعضِ من تربطهم بهم قُربى، فجاءهم الرد الصاعق: أننا لا نقبلُ العطايا!!، والعطايا ليست إلا من باب المودة وصلة الرحم، فردُّوها، وكان عليهم إن لم يقبلوها أن لا يردوها، بل أن يتصرَّفوا بها فلا يضيعُّوا أثر المعروف، ولا يقتلوا قيمة المروءة.

كيف يردُّوها ونبيَّهم الأكرم محمد بن عبد الله عليه أفضل صلاةٍ وأزكى سلام كان يقبل الهدية ويثيبُ عليها، فقد روي عَنْ السيدة عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا أنها قَالَتْ: "كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَقْبَلُ الْهَدِيَّةَ، ويُثِيبُ عَلَيْهَا"(رَوَاهُ الْبُخَارِي)، وكان يرى عليه الصلاة والسلام في الهدية وسيلةً لتأليف القلوب وزيادة المحبة بين الناس، قائلًا:"تهادوا تحابوا"(رواه البخاري).

لقد عشتُ في مجتمعٍ غربي يعيشُ الفردانية ويتوجَّس إن قَدَّم إليه أحدٌ ما عطيَّة ما فقد كنَّا نقدم لجيران لنا وجباتٍ محليَّة فكانوا في البدءِ يتوجسون من هذا الإهداء، ويرونَه غريبًا فيقابلونه بالتشكك، لأنهم نشأوا في مجتمعٍ كل بيتٍ فيه لا يعنيه أمرَ البيت الآخر، وحين يُهدى الفرد منهم يرى أن تلك الهدية قد نزلت عليه من السماءِ فيقابلها بفرحٍ عظيم، ويبادر جذلانًا ليفتحها على الفور، فهل يريدُ البعض أن يوصل مجتمعنا ليكون شبيهًا بهذه المجتمعات الفردانية؟!

يخبرني أحد المعارف أن رجلًا كان يملكُ مزرعةً في قريةٍ من قُرى عُمان يأكلُ الناس من ثمرها، وكان بئرها غزيرٌ يتدفَّقُ ماؤه، فلمَّا أحاط مزرعته بسورٍ ليقطعَ على البشر الوصول إلى مزرعته، نضبَ بئرهُ إلى هذا اليوم، وهلكت مزرعته!، قُلتُ له: ذلك شبيهٌ بقصة أصحاب البستان في سورة القلم، أرادوا أن يوقفوا عطاء والديهم، فأهلك الله بستانهم!.

المجتمعُ الحيُّ هو الذي يُحيي العلاقات بين بعضه البعض، فيجعلها نابضة بالوداد، والعطاء، والتصدق، والتهادي، والوفاء، يقول الإِمام الشافعي:

النَّاسُ للنَّاسِ مَا دَامَ الحَيَاءُ بِهِمُ

وَالسَّعْدُ لَا شَكَّ تَارَاتٌ وَهَبَّاتُ

وَأَفْضَلُ النَّاسِ مَا بَيْنَ الوَرَى رَجُلٌ

تُقْضَى عَلَى يَدِهِ لِلنَّاسِ حَاجَاتُ

لَا تَمْنَعَنَّ يَدَ المَعْرُوفِ عَنْ أَحَدٍ

مَا دُمْتَ مُقْتَدِرًا فَالسَّعْدُ تَارَاتُ

خلاصةُ القول.. إنَّنا نريدُ أن يبقى مجتمعنا العُماني سخي النفسِّ، كريم اليد، لا تمنعهُ فاقة عن العطاء، ولا تقبضه حاجةٌ عن العطاء، لا ينظرُ إلى الهدية التي تأتيه من أخٍ، أو صاحبٍ نظرةً منكَرة، ولا مستغربة، بل ينظرُ إليها على أنها صلةٌ للقربى، لابد أن يبادلها إن استطاع، بل على الغني الموسر أن يتقيَّد بذلك الخُلق قبل الفقير المعسر، وهكذا يبقى عرق الترابط العاطفي حيًّا نابضًا في جسد المجتمع.

 

الأكثر قراءة

z