إذا عطست أمريكا أُصيب العالم بالبرد

 

 

 

د. عبدالعزيز بن محمد الصوافي **

 

تشهد الصحافة الأمريكية في ربيع عام 2026 حالة من الزخم الاستثنائي، حيث تتزاحم عدة قضايا كبرى على صدارة العناوين، دون أن تنفرد إحداها وحدها بالمشهد. إلا أن القاسم المشترك بينها جميعًا هو شعور عام بالقلق وعدم اليقين، سواء على الصعيد الاقتصادي أو السياسي أو الدولي، وهو ما ينعكس بوضوح في تغطية وسائل الإعلام الأمريكية بمختلف توجهاتها.

في مقدمة هذه القضايا يأتي الاقتصاد وتكاليف المعيشة. فعلى الرغم من تثبيت مجلس الاحتياطي الفيدرالي لأسعار الفائدة، ما زالت قطاعات واسعة من الأمريكيين تعاني من ارتفاع الأسعار، خاصة في الوقود والإسكان والخدمات الصحية. الصحافة الأمريكية تناقش يوميًا ما إذا كانت السياسات الاقتصادية الحالية قادرة على كبح التضخم فعليًا، أم أنها تؤجل أزمة أعمق قد تنفجر قبيل الانتخابات النصفية.

وتتداخل الأزمة الاقتصادية بشكل مباشر مع الانتخابات النصفية للكونغرس لعام 2026، التي تُعد الحدث السياسي الأبرز هذا العام. فهذه الانتخابات ستحدد مستقبل التوازن بين الحزبين الجمهوري والديمقراطي، وقدرتها على دعم أو تعطيل أجندة الرئيس دونالد ترامب في النصف الثاني من ولايته. الصحف الأمريكية تركز بشكل خاص على السباقات المتقاربة، وإعادة ترسيم الدوائر الانتخابية، ودور القضايا المعيشية والهجرة والرعاية الصحية في توجيه أصوات الناخبين.

على الصعيد الدولي، تحظى التوترات العسكرية في الشرق الأوسط، وخاصة في مضيق هرمز، باهتمام واسع في الإعلام الأمريكي. لا تكمن خطورة هذه التطورات في بعدها الجيوسياسي فحسب، بل في تأثيرها المباشر على سوق الطاقة وأسعار الوقود داخل الولايات المتحدة. وتربط التحليلات الصحفية بين السياسة الخارجية والأمن القومي والوضع الاقتصادي الداخلي، في خطاب يعكس تشابك الملفات أكثر من أي وقت مضى.

كما عادت قضية الرعاية الصحية بقوة إلى واجهة النقاش العام، بعد ارتفاع تكاليف التأمين وتقليص بعض برامج الدعم الحكومية. وتشير استطلاعات الرأي، التي تحظى بتغطية موسعة في الصحافة، إلى أن الصحة باتت من أهم أولويات الناخب الأمريكي، وربما من أكثر الملفات تأثيرًا في نتائج الانتخابات المقبلة.

إلى جانب ذلك، يتنامى الجدل حول حرية الصحافة ومستقبل الإعلام الأمريكي، في ظل تراجع ترتيب الولايات المتحدة في مؤشرات حرية الصحافة العالمية، والضغوط الاقتصادية والسياسية التي تواجه المؤسسات الإعلامية، خاصة المحلية منها. هذا النقاش لا يدور في الهامش، بل أصبح موضوعًا قائمًا بذاته داخل الصحافة الأمريكية.

بشكل عام، يمكن القول إن "قضية الموسم" في الصحافة الأمريكية ليست ملفًا واحدًا، بل قضايا مركبة تلتقي فيها مخاوف الاقتصاد، وسخونة السياسة، واضطراب العالم الخارجي. وهو مشهد يَعِد بمزيد من الاستقطاب والتصعيد الإعلامي مع اقتراب موعد الانتخابات، في عام يبدو مفصليًا في التاريخ الأمريكي المعاصر.

وفي هذا السياق، يصدق القول الشائع: "إذا عطست أمريكا، أُصيب العالم بالبرد"؛ وهي مقولة تعبّر بدقة عن مدى الترابط الذي يحكم النظام الدولي، إذ إن أي أزمة اقتصادية أو سياسية تصيب الولايات المتحدة لا تبقى محصورة داخل حدودها؛ بل تمتد آثارها سريعًا إلى مختلف دول العالم، بحكم ثقلها الاقتصادي، ونفوذها السياسي، وتشابك مصالحها مع الأسواق والأنظمة الدولية. ومن هنا، فإن ما تشهده الساحة الأمريكية اليوم لا يُعد شأنًا داخليًا صرفًا، بل قضية عالمية بامتياز.

** باحث أكاديمي

تعليق عبر الفيس بوك

الأكثر قراءة

z