التعمين أم مسمار جحا؟

 

 

عباس الزدجالي

abbas@omanamana.com

 

مُنذُ عقود، وكلما طُرحت قضية التعمين والنقاش حول حق أبناء البلد في فرص العمل، خرج علينا البعض من القطاع الخاص بالمقولة ذاتها، وكأنَّها تعويذة سحرية لا تبلى: «العُماني ما مال شغل!». عبارة تكررت حتى تحولت إلى ما يُشبه الأسطوانة المشروخة، أو بتعبير أدق: إلى «مسمار جحا» الشهير الذي لم يكن مجرد مسمار بريء، بل ذريعة ذكية استخدمها جحا ليستعيد البيت كله تدريجيًا!

كاريكاتير داخل المقال.jpeg
 

فقصة جحا، كما يرويها التراث الشعبي، تقوم على أنَّه باع منزله لكنه اشترط الاحتفاظ بمُسمار صغير في أحد الجدران. وافق المشتري مُستخِفًا بالأمر، ليبدأ جحا بعدها بالعودة يوميًا بحجة زيارة المسمار، ثم تعليق أغراضه عليه، ثم إدخال ضيوفه وحيواناته، حتى ضاق الرجل ذرعًا وترك البيت بالكامل. وهكذا أصبح «مسمار جحا» رمزًا للذريعة الصغيرة التي تُستخدم لاحقًا للهيمنة على المشهد كله.

وهذا بالضبط ما حدث في سوق العمل المحلي. فمنذ سنوات طويلة، تُستخدم عبارة «العُماني ما مال شغل» كمسمار ثابت يُعلَّق عليه كل شيء: ضعف التعمين، واستمرار الاعتماد على العمالة الرخيصة، وتكدس الوظائف بيد الوافدين، بل وحتى مُقاومة بعض الشركات لأي إصلاحات حقيقية في هيكلة الأجور وتحسين بيئة العمل.

لكن الأرقام الرسمية نفسها تكشف واقعًا مختلفًا تمامًا عن الرواية المتداولة؛ فبحسب أحدث البيانات المتداولة خلال عام 2026، يتجاوز عدد الوافدين في سلطنة عُمان نحو 1.8 مليون وافد، يشكلون نسبة ضخمة من إجمالي القوى العاملة، مقابل ما يقارب 700 ألف عُماني عامل في القطاعين العام والخاص معًا. والأهم من ذلك أن نسبة معتبرة من الوظائف التي يشغلها الوافدون ليست وظائف نادرة أو فائقة التخصص كما يحاول البعض تصويرها، بل وظائف مكتبية وإدارية وخدمية وفنية يستطيع آلاف الخريجين العُمانيين شغلها بكفاءة إذا توفرت لهم الفرصة والتدريب والأجور العادلة.

وتشير أحدث بيانات المركز الوطني للإحصاء والمعلومات حتى نهاية 2026 وبداية 2026، إلى أن عدد الوافدين العاملين ضمن فئة «عمال الخدمات والمبيعات» بلغ أكثر من 572 ألف عامل، إضافة إلى نحو 117 ألف وافد في مهن البيع تحديدًا، إلى جانب عشرات الآلاف في الوظائف الإدارية والمحاسبية والفنية والخدمية المختلفة. كما تشير البيانات إلى وجود نحو 92 ألف وافد في وظائف الإدارة والأعمال، وآلاف آخرين في مجالات السكرتارية وخدمة العملاء والإشراف الإداري والتسويق والموارد البشرية وغيرها من الوظائف التي لا تُعد نادرة أو مستحيلة التعمين، بل يمكن لشريحة واسعة من الخريجين العُمانيين شغلها متى ما توفرت الإرادة الحقيقية للتدريب والإحلال التدريجي.

وفي المُقابل، لا تقف البلاد أمام فراغ بشري أو نقص في الكفاءات كما يُصوَّر أحيانًا، بل أمام عشرات الآلاف من الباحثين عن عمل القادرين على شغل جانب كبير من هذه الوظائف. فبحسب البيانات المتداولة حتى نهاية 2025، بلغ عدد الباحثين عن عمل نحو 74 ألف باحث وباحثة، بينهم أكثر من 10 آلاف من حملة البكالوريوس فأعلى، إضافة إلى أعداد كبيرة من حملة الدبلوم العام والدبلوم العالي والمؤهلات المتوسطة.

هذا يعني أنَّ القطاع الخاص- لو أراد فعلًا- قادرٌ على استيعاب هذه الأعداد بصورة تدريجية ومُنظَّمة، لا باعتبارهم عبئًا؛ بل كاستثمار وطني مُباشر. فإذا كان سوق العمل يستوعب مئات الآلاف من الوافدين في وظائف المبيعات والمحاسبة والسكرتارية وخدمة العملاء والإشراف والتسويق والموارد البشرية، فإنَّ استيعاب عشرات الآلاف من أبناء البلد ليس أمرًا مستحيلًا، بل ممكن جدًا متى ما توقفت بعض المؤسسات عن استخدام «مسمار جحا» لتبرير استمرار نموذج العمالة الأرخص ولو كان الثمن بقاء مشكلة الباحثين عن عمل كأزمة مُزمنة تتكرر كل عام.

المفارقة الساخرة أنَّ بعض المؤسسات تشتكي من «ضعف إنتاجية العُماني» بينما تعرض رواتب بالكاد تكفي إيجار غرفة، وساعات عمل طويلة، ومسارات وظيفية شبه معدومة، ثم تتساءل باستغراب: لماذا لا يقبل الشباب؟

والأكثر طرافةً أنَّ بعض أصحاب الأعمال يتحدثون عن «ثقافة العمل» وكأن الوافد يولد وفي يده شهادة "موظف مثالي"! بينما الحقيقة أن معظم العمالة الوافدة تكتسب خبرتها بالتدريب والممارسة مع الوقت، تمامًا كما يمكن لأي عُماني أن يفعل إذا مُنح نفس الفرصة بدل أن يُستبعد مسبقًا بحجة جاهزة عمرها عشرات السنين؛ بل إن بعض الشركات وقعت في تناقض لافت؛ فهي من جهة تطالب الدولة بالمشاريع والتسهيلات والدعم والإعفاءات، ومن جهة أخرى ترفض تحمل جزء من مسؤوليتها الوطنية في توظيف المواطنين. وكأن المطلوب من الدولة أن تبني الطرق والموانئ والمطارات والمناطق الاقتصادية، ثم يُترك المواطن متفرجًا بينما تُوزع الوظائف على عمالة مستوردة لأن كلفتها أقل!

هنا تحديدًا يُصبح النقاش اقتصاديًا ووطنيًا لا عاطفيًا؛ فالقضية ليست عداءً للوافد، فالوافد ساهم وما زال يساهم في التنمية، وكثير منهم أصحاب خبرات محترمة ومحل تقدير. لكن أي اقتصاد في العالم يضع في النهاية أولوية التوظيف والاستقرار الاجتماعي لمواطنيه أولًا، خصوصًا مع تزايد أعداد الخريجين والباحثين عن عمل.

والاستمرار في نموذج اقتصادي قائم على العمالة الرخيصة إلى ما لا نهاية يحمل آثارًا خطيرة: ضغط على البنية الأساسية، وتحويلات مالية ضخمة للخارج، وضعف دوران الأموال داخل الاقتصاد المحلي، إضافة إلى اتساع الفجوة بين النمو الاقتصادي وفرص العمل المتاحة للمواطنين.

ولذلك لم تعد قضية التعمين مجرد «نسب» تُعلن في البيانات الصحفية، بل أصبحت مرتبطة مباشرة بالأمن الاجتماعي والاستقرار الاقتصادي ومستقبل التنمية نفسها. فلا يمكن الحديث عن اقتصاد وطني قوي بينما يشعر جزء من الشباب أن سوق العمل مغلق أمامه بذريعة محفوظة مسبقًا.

والواقع أن التجارب أثبتت أن العُماني ينجح متى ما توفرت بيئة مهنية حقيقية؛ ففي قطاعات عديدة، من الطيران إلى الاتصالات والبنوك والطاقة والخدمات اللوجستية، أثبت الشباب العُماني كفاءته وقدرته على المنافسة محليًا وإقليميًا ودوليًا. لكن الفرق أن تلك القطاعات استثمرت في التدريب ومنحت الموظف مسارًا مهنيًا واضحًا، بدل الاكتفاء بترديد مقولة «ما مال شغل».

وفي النهاية، يبدو أن بعضهم لا يريد نزع «مسمار جحا» أصلًا، لأنه ببساطة يضمن استمرار نموذج العمالة الأرخص والأضعف تفاوضًا. لكن الأوطان لا تُدار بمنطق الكلفة الآنية فقط، بل بمنطق الاستدامة وبناء الإنسان والشراكة الوطنية الحقيقية. أما الأسطوانة المشروخة القديمة، فقد استهلكها الزمن… ولم يعد أحد يصدق أن شعبًا بنى دولة حديثة، وأدار مؤسسات، ونافس عالميًا، يمكن اختزاله بجملة ساخرة تُردد كلما اقترب الحديث من التعمين الحقيقي.

وفي ظل استمرار تكرار الذرائع ذاتها منذ عقود، يبقى السؤال الذي يفرض نفسه اليوم بإلحاح: هل الأولوية فعلًا للتعمين وبناء اقتصاد وطني مستدام… أم أن «مسمار جحا» لا يزال أقوى من كل خطط الإصلاح ولا يمكن اقتلاعه؟!

تعليق عبر الفيس بوك

الأكثر قراءة

z