بين الصهر والخام

 

 

ماجد بن علي الهادي

"النَّفسُ أضْعَفُ ما تكوُن قاهِرَةً، وأقْوَى ما تَكُونُ مقْهُورَةً" أحمد شوقي.

*****

كم من مادة خام صنعت تصرفاتنا، وكم من صناعة حياتية تشبهت بها أفعالنا وأقوالنا. أقحمتنا في تجارب لا حول لنا ولا قوة فيها. غمستنا في معمعات لا طائل منها إلا الصقل والتشحيذ. هذه المواد الخام صنعتها الأيام بحرفية، ونسجها الوقت بإتقان، ورسمها الزمن عموما بتلاوين زخرفتها الحياة.

بين الزمن والحياة علاقة عميقة في نسج المواد الخام "معنى الحياة". بينهما عهود ومواثيق لفرض المواقف لتتحول إلى خبرات، وتسطير التجارب لتتحول إلى تراكمات. وما بين كل ذلك يأتي دور الإنسان لتفعيل هذه المواد الخام، ولا يقتصر دوره على التغيير الظاهري؛ بل يلج إلى الأعماق، عمق الروح.. عمق النفس.. عمق العقل.. وهذه الأعماق ستكون بداية التواصل بين ما تم تخزينه من معلومات ومعارف، وما هو بصدد فعله والتأقلم به ومعه. فتتكون سلسلة مترابطة من الصبر والانضباط، تلملم الأحداث ذاتها من تلقاء نفسها، وتعكس هذا التلملم مع الواقع الذي تعيشه، لتتكيف معه، أو تنفر منه.

ومن أبسط الأمثلة على ذلك التعمق هو "صهر النفوس" لإسقاط الأقنعة. تسقط من احتكاك المواقف مع العقليات، تسقط من اصطدام الرؤى مع حقيقة الواقع. فتتضح معالم الشخصية المختبئة خلف القناع، تتبين معالم وملامح الشخصية الحقيقية أي كانت حقيقتها. هذا الصهر سيكون أقوى المحاربين، كيف لا وهو يجلد الروح والنفس والعقل في نفس الوقت، يجلد بعنف وبقوة بهدف تفتيت الحواجز المزيفة، ومن أجل كتابة العنوان الحقيقي لقصة الشخصية. هذه التي تلوك أفكارها في بؤرة مقيتة، وتتغنى بأقوالها في محيط مزيف، وتفتخر بعنجهيتها في متلازمة مرقعة.. مرقعة بكل أنواع الغش والتمثيل الهزيل. المواد الخام لهوية الزمن لا ترى ملامحه؛ بل يفرض نفسه فرضا في مجريات الأحداث.

هذه المصنوعة من أفكار النفوس بخبثها وطيبها، بجمالها وقبحها. هذه التي يشن من أجلها الإنسان (المريض نفسيًا) حربًا على بني جنسه. يتصنع من أجل صناعة أفتك الأسلحة وأدمرها، يمثل من أجل سبك القصة وتجميلها. نعم إنه الصهر الذي لا يرحم، والانصهار الذي لا يخفى. فمن عدم الرحمة ومن الظهور العلني، تعلن الشخصية عن نفسها، عن هويتها واسمها الحقيقي. بين الصهر والخام عناوين تنصدم العيون من قراءتها وهي معلقة على حبل الواقع المرير. بين الصهر والخام تنكشف الخطط والحيل والخبائث والمكر والخدائع، بين الصهر والخام تصرخ الأيام بزمجرة الغضب وهي تقول بأعلى صوتها: ها هي حقيقتكم يا أصحاب الأقنعة، يا من تدعون النقاء والصفاء والسماحة والرحابة والأخلاق الرفيعة. لا تزال محاولاتكم المستميتة تتفجر في أجواء ضبابية، لكنها ستفشل حتمًا مهما كانت قوتها واندفاعها. ستفشل حتمًا لأنها مرتدية نوايا الخبث والمكر والخديعة. ولا تسمح عدالة الحياة أبدا بأن يكون لك وزنًا في ميزان الحق؛ بل إن الميزان لن يعطيك أية قيمة. نعم نحتاج كلنا إلى هذا الصهر، نحتاجه لنعرف حقيقتنا، قد لا تكون هذه الحقيقة مزيفة؛ بل هي من توارت خلف القناع من أجلها لذاتها، توارت بهدف الحماية من عواصف الحياة، ومن نيران شرر الشررين من البشر، توارت لأن الزمن إخطارها لتكون الشيء المخبوء الجميل. فجمال الخبء رصانة وإن توارى، وجمال الخبء سكينة وسط ضجيج النفاق. نحتاج للصهر لنعي التراكمات التي صنعتنا في سالف الأيام، نحتاج للصهر لندرك ماهية الحياة وشخوصها؛ فالصهر هنا بإيجابيته يطبق مقولة لا ضرر ولا ضرار بين اسمه ومعناه. هي ذات المعنى الذي تحمله الاحداث والمواقف، عندما تعصف بنا في أعماق وبطون الرياح الهوجاء والعواصف المدمرة. فليس كل أذى مؤذٍ، وليس كل جرح قاتل، وليس كل ألم فاجعة، بعضها يرمم ويعالج، يطهر وينقي، يصفي ويجمل. لذلك فالخام يعرف طريقه للصهر، والعكس صحيح، وهذا الطريق لا يكون عشوائيا أبدا، ولا يكون صدفة.

كل شيء يا صديقي مخلوق بحكمة ودقة لا تخطر على بال أي مخلوق. لا ننسى أبدا إننا لولا الصهر لما وصلنا إلى ما وصلنا إليه كلنا وكاتب المقال هذا أيضا. كلنا صارعنا وواجهنا واصطدمنا، سقطنا منا من ظل ساقطا يفكر كيف ينهض من جديد، ومنا من عرف كيف ينهض، ينهض بشخصية جديدة، وبنسخة قوية تحمل على أكتافها ندوب المواقف، ولكنها لا تكترث، بل ستجعل من تلك الندوب خارطة جديدة، فيها مسارات وطرق وأمكنة بتضاريس ومعالم أوضح.

الخلاصة.. الصهر سيشكلنا وسنتشكل به شئنا أم أبينا، وعلينا بناء بنية ما بعد الصهر، وكيف سنبنيه، أو نستسلم للصهر ليشكلنا كيفما يريد.

تعليق عبر الفيس بوك

الأكثر قراءة

z