د. عبدالله باحجاج
من حيث المبدأ، فإنَّ نظام اللامركزية ينبغي أن يصنع عقلًا جديدًا في كل مجتمع محلي بحيث يكون قادرًا على التفكير في صناعة التنمية المحلية بفكر وبتمويل محلي؛ أي دون انتظار الاعتمادات المالية من موازنة الدولة دائمًا، وطبيعة هذه الهندسة مستهدفة سياسيًا في ذاتها، وكل محافظة تستوعب هذا التوجه وتُمكِّن كفاءاتها بتجردٍ يصنع تنميتها باقتصاد محلي مستدام، وذلك عبر استغلال مزايا كل مُحافظة.
هذه الرؤية نستمدها- تنظيرًا وتنفيذًا- من خلال مشروع منتزه أتين بولاية صلالة، الذي جرى التوقيع على إنشائه الأسبوع الماضي بمبلغ 5 ملايين ريال دون تحميل المركزية أي أعباء مالية جديدة، وهو يُشكِّل قمة النموذجية لتطبيقات اللامركزية، والنموذجية ذاتها في تحول الميزة الطبيعية لظفار الى قيمة اقتصادية مستدامة دون الإضرار بالبيئة بل وتعزيزها كهوية مستدامة.
ومنتزه أتين مشروع بيئي وسياحي ذو أثر اقتصادي مستدام، وراؤه عقل تنموي جديد يصب في صالح نضوج نظام اللامركزية، جوهره- أي العقل- الوعي والمسؤولية والقدرة على الفعل بوعي الواقع وتحولات المسيرة المتجددة، وذلك في ظل حقيقة ثابتة، وهي أن كل محافظة من محافظات البلاد معنية الآن بصناعة قوتها التنموية في إطار نظام اللامركزية، وهو ما يعني أن التنمية تُصنع الآن من داخل كل مجتمع محلي- تفكيرًا وتخطيطًا وتنفيذًا وتمويلًا- بحيث تُصبح التنمية المحلية داخل كل محافظة استحقاقاً لا يؤجل، وأي تأجيل يكون مرده الوعي، وبالتالي سيدفع ثمنه المجتمعات المحلية التي لا تفتقر للعقل التنموي الجديد.
مشروع منتزه أتين بصلالة يُعبِّر عن طبيعة هذا الوعي الجديد، ويستوجب الكتابة عنه بعد أن اكتشفنا الآفاق السياسية عنه أثناء حديثنا عن المشروع مع سعادة الدكتور أحمد بن محسن الغساني رئيس بلدية ظفار، والكتابة عنه لدواعي توسيعه وتعميمه داخل نطاقه المحلي وفي بقية المحافظات الأخرى؛ فمشروع منتزه أتين لا يعتمد مطلقًا على موازنة الدولة، وإنما محليًا من بلدية ظفار ومن شركات النفط، ويمثل انتقالًا من عقلية المطالبة بالخدمات والتنمية وتمويلها من المركزية، إلى عقلية صناعة الفرص والبحث عن تمويلها اللامركزي، ووفق المزايا التفاضلية لظفار، وإنه عقل يفكر في المستقبل لا في اللحظة فقط، ويربط الاقتصاد والثقافة والتنمية والهوية والأمن... إلخ.
وتلكم من نتائج تبنِّي اللامركزية التي تتناغم مع خصوصية بلادنا الجغرافية والديموغرافية والجيوستراتيجية وحتى السيكولوجية؛ لأنها تجعل المركزية بمنأى عن خلافات أو اختلافات أو حتى توترات محلية، أي سيكون مسارها أفقيًا وليس رأسيًا. وتنصب المركزية هنا كحاكمٍ لها عبر تدخلها عند الحاجة، أي لن تكون جزءًا منها عند نشوبها، وهنا رؤية عميقة لمسيرنا المتجدد، وهو ما يستوجب تأطيره واستنطاقه بصوت مرتفع لدواعي صناعة العقل الجديد.
ويعني ذلك، أن الرِهانات على نظام اللامركزية تقوم الآن على وعي النُخب المحلية، ويتوقف ذلك على تمكين الكفاءات المحلية خلال هذه المرحلة المهمة، التي يكون دور النخب المحلية فيها فاعلًا ومُنتِجًا للاقتصاديات المحلية وإدارة الموارد وتعزيز الهوية التنموية لكل محافظة. وحتى قضية الباحثين عن عمل يمكن أن تكون من اختصاص اللامركزية، وهذا لا يلغي دور المركزية، وإنما يجعلها في مركز المُوَجِّه والمُتدَخِّل والداعم والمُعزِّز للنجاحات المحلية وحل الخلافات. وهنا نقترح أن تُحدِّد كل محافظة 3 مشاريع اقتصادية استراتيجية مستدامة وتدعمها المركزية بالمال، ويكون لها انعكاسات ملموسة على إيرادات كل محافظة وعلى الباحثين فيها؛ لأن المسار اللامركزي والرهانات عليه تستوجب مثل هذه النقلة النوعية والكمية، وعوائد الدولة مواتية الآن بفضل ارتفاع أسعار النفط جراء الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران، وتداعيات إغلاق مضيق هرمز.
وفي تلكم السياقات، يمكن فهم مشروع منتزه أتين بصلالة بوصفه نتاجًا لتحول أعمق في الفكر والتخطيط والتنفيذ والتمويل المحلي دون أن يُضيف أعباءً على موازنة الدولة، وهو يعكس انتقال التنمية من الإنفاق المركزي إلى إدارة محلية للموارد والفرص، ويحتوي على مجموعة مميزات كبيرة أبرزها: استدامة بيئية ومالية وسياحية، وفرص عمل مستدامة خاصة للمؤسسات الصغيرة والمتوسطة.
وهذا إنجاز محلي للنخب المحلية في ظفار التي أحسنت قراءة التحولات الجديدة في الدولة، واستغلت المساحة المتاحة للامركزية لصناعة مشروع بيئي وسياحي ذي أثر اقتصادي قائم على الاستدامة؛ حيث سيُعزِّز الاستدامة البيئية والسياحية، ويُنتِج قيمةً مُضافةً ويُولِّد إيرادات مباشرة وغير مباشرة ويُوفِّر فرص عمل وبالذات للمؤسسات الصغيرة والمتوسطة، وكذلك يخلق حركة مالية مستدامة، ويدخل ضمن مفهوم الاقتصاد المحلي، وطبيعة إنجازها- أي النخب- تتجلى كذلك في توفير التمويل محليًا لهذا المشروع؛ إذ إن المشروع شراكة بين بلدية ظفار وشركات قطاع النفط، وقد نَفَذَت اليه- أي الشراكة التمويلية- من خلال مداخل جوهرية تدخل في صلب اهتمامات الشركات خاصة البيئية؛ مما ساهم في حصول هذا المشروع على أموال المسؤولية الاجتماعية للشركات.
من الناحية البيئية.. المشروع يمثل محاكاة للبيئة الظفارية في أهم مقوماتها السياحية الفريدة كشلالات دربات وحديقة نباتات وأشجار طبيعية، وهو ما يمكن تسميته بإعادة تعريف هوية ظفار، وستُستخدم فيه الطاقة المتجددة؛ فهو صديق للبيئة، لذلك تمكنت النخب المحلية من الاستفادة من أموال المسؤولية الاجتماعية للشركات. ومن الناحية السياحية؛ فالمشروع يمثل إضافة مستدامة للجذب السياحي الداخلي الخارجي؛ حيث سيكون على مدار العام وليس محصورا فقط في موسمية فصل الخريف. كما يمكن أن يكون المنتزه نموذجا لتعزيز الإيرادات المحلية، وكذلك لتوفير فرص عمل وصون الهوية، ونجاحه سيكون نموذجًا للمشاريع المقبلة، وملهمًا محليًا ولبقية المحافظات التي بدورها تمتلك مزايا تنافسية خاصة بها في تأسيس اقتصادياتها المحلية من فكر نخبها.
القضية الآن قضية وعي النخب المحلية، وكيف يمكن أن يقود وعيها الجديد، التحرَّرَ من الفكر التنموي التقليدي ومن الاعتماد المطلق على التمويل المركزي؛ فالمسؤولية اللامركزية أصبحت تُنتج الآن مسؤولية جديدة يمكن أن يكون من خلالها النخب المحلية قائدةً للتنمية المحلية.
وباختصار.. إن العقل الجديد للنخب المحلية من خلال مشروع منتزه أتين بصلالة في حقبة اللامركزية، لم يعد مجرد عقل خدمي وإداري وتنظيمي، وإنما عقل استراتيجي يرى محافظة ظفار كوحدة إنتاج اقتصادي وثقافي قادرة على صناعة مستقبلها، ضمن إطار الدولة الوطنية، والترقُّب من الآن وخلال السنة ونصف السنة، المقبلة لإنجاز هذا المشروع وانعكاساته المتعددة.
