جان يعقوب جبور
يشهد ملف التفاوض المباشر بين إسرائيل ولبنان تصاعدًا سياسيًا وإعلاميًا واسعًا في ظل التحولات الإقليمية التي فرضتها الحرب على غزة والتوتر المستمر على الحدود الجنوبية اللبنانية، ويعتبِر جزءٌ كبيرٌ من القوى السياسية والشعبية اللبنانية أن الانتقال من الوساطات غير المباشرة إلى أي شكل من أشكال التفاوض المباشر يمثل تحولًا بالغ الخطورة على مستوى السيادة الوطنية، خصوصًا عندما يتم ذلك تحت الرعاية الأمريكية، في وقت تُعد فيه الولايات المتحدة الحليف الاستراتيجي الأول لإسرائيل والداعم السياسي والعسكري الأبرز لها في المنطقة.
ويرى منتقدو السُلطة اللبنانية أن واشنطن لا تتحرك بوصفها وسيطًا محايدًا، بل كطرف يسعى إلى فرض ترتيبات أمنية وسياسية تخدم وتحمي المصالح الإسرائيلية أولًا، حتى لو جاء ذلك على حساب التوازنات الداخلية اللبنانية وحقوق لبنان السيادية.
وقد تصاعد الجدل بعد سلسلة التصريحات الأمريكية والإسرائيلية التي تحدثت عن ضرورة تثبيت "الاستقرار" على الحدود الجنوبية، وربط ذلك بتطبيق القرار 1701 وإعادة رسم قواعد الاشتباك. وفي هذا السياق، برزت مواقف رسمية لبنانية بدت بالنسبة لخصوم الحكومة أقرب إلى التنازل التدريجي عن أوراق القوة اللبنانية، خاصة مع الحديث المتكرر عن أولوية "الحلول الدبلوماسية" وضرورة تجنب الحرب بأي ثمن. إن موقف الحكومة الحالية برئاسة نواف سلاف المتطابق مع رئيس الجمهورية جوزاف عون يعلنان بأن التفاوض هو "وقف الأعمال العدائية وإنهاء الاحتلال الإسرائيلي"، وبذلك متجاهلين الحقوق اللبنانية بحق الدفاع عن النفس في وجه أي محتل والذي يكفله الدستور اللبناني. والأخطر من ذلك أن التفاوض المباشر تحت النار وفي ظل الاحتلال يجعل من الموقف اللبناني هزيلًا تقوده الولايات المتحدة وبنفس الوقت إعطاء الضوء الأخضر للكيان الصهيوني لمزيد من الاحتلال والقتل وتدمير البنى التحتية وتهجير الشعب من ممتلكاتهم ووضع السلطة اللبنانية تحت الأمر الواقع لتنفيذ مطالبهم ومطالب حليفتهم الولايات المتحدة غير مكترثين بأبسط حقوق أكثرية الشعب اللبناني. عدا عن ذلك الإسهام في شحن الداخل اللبناني من خلال حلفائهم ألا وهي الفتنة اللبنانية الداخلية للوصول إلى نهج "الكسر النظيف" والسيطرة على القرار اللبناني بشكل كامل. وهذا ما تعكسه أيضًا السياسة الخارجية في لبنان وهي الأقرب حاليًا إلى مواقف حزبه التي تتقاطع مع المصالح والسياسة الأمريكية الإسرائيلية في لبنان.
في المقابل، حاول رئيس مجلس النواب نبيه بري التمسك بمعادلة التفاوض غير المباشر التي سبق اعتمادها في ملف ترسيم الحدود البحرية أو الوصول إلى وقف إطلاق نار كامل مع الكيان الصهيوني وإجبار هذا الكيان على الالتزام به، مع تأكيده أن أي تفاوض يجب أن يتم عبر وسطاء وليس بشكل مباشر مع إسرائيل. لكن خصومه اعتبروا أن تجربة ترسيم الحدود نفسها شكلت بداية مسار تنازلي أتاح لإسرائيل تحقيق مكاسب استراتيجية في شرق المتوسط وبنفس الأشخاص الذين يتجهون إلى التفاوض المباشر مع تقديم تنازلات أكثر عبر الوسيط الصديق والحليف للعدو الصهيوني، فيما اعتبر مؤيدو الاتفاق أنه جنب لبنان حربًا مدمرة وفتح الباب أمام الاستفادة من الثروة الغازية التي لم نرَ منها شيئًا وكانت لمصلحة إسرائيل على حساب الشعب اللبناني.
أما رئيس التيار الوطني الحُر، جبران باسيل، فقد تبنى خطابًا مُتقلِّبًا بين رفض التطبيع المباشر والدعوة إلى "حلول واقعية" تمنع انهيار الدولة اللبنانية. ويرى منتقدوه أن هذا التموضع يعكس محاولة للتموضع السياسي بين الضغوط الأمريكية ومتطلبات التحالفات الداخلية، خصوصًا في ظل العقوبات الأمريكية السابقة عليه ما يعكس مصالح شخصية أكثر منها وطنية. في حين أن حزب القوات اللبنانية بقيادة سمير جعجع يدفع باتجاه حصر قرار الحرب والسلم بيد الدولة اللبنانية ضمن توجيهات خارجية إقليمية دولية، مع انتقاد دور السلاح خارج إطار المؤسسات الرسمية من زاوية حزبية ضيقة وإضعاف دور لبنان خارجيًا لتغيير موازين القوى لمصلحة حلفائهم، وهو ما تعتبره قوى المقاومة انسجامًا عمليًا مع المشروع الأمريكي الإسرائيلي الرامي إلى إضعاف حزب الله ونزع عناصر الردع اللبنانية. كذلك، فإن حزب الكتائب اللبنانية بقيادة سامي الجميل يتبنى خطابًا مشابهًا يدعو إلى "حياد لبنان" وإبعاده عن صراعات المحاور الإقليمية متجاهلًا التاريخ المقاوم وما حققته المقاومة من إنجازات وخاصة الانسحاب الإسرائيلي عام 2000 تاركة حلفاءها يتخبطون ويفرون خارج لبنان، بينما يرى خصومه أن هذا الطرح يتجاهل طبيعة الصراع مع إسرائيل كقضية احتلال واعتداءات مستمرة، وليس مجرد خلاف حدودي يمكن تسويته بترتيبات أمنية.
وفي المقلب الآخر، يرفض "حزب الله" أي صيغة تفاوض مباشر مع إسرائيل خارج إطار حماية الحقوق اللبنانية الكاملة، ويعتبر أن الولايات المتحدة ليست وسيطًا نزيهًا، بل شريكًا كاملًا في الحرب الإسرائيلية على المنطقة. وقد أكد الأمين العام السابق للحزب السيد حسن نصرالله (مع نفس توجه الأمين العام الحالي لحزب الله، الشيخ نعيم قاسم) في خطابات متعددة أنَّ المقاومة لن تسمح بفرض وقائع سياسية أو أمنية جديدة بالقوة، وأن أي تسوية يجب أن تنطلق من مبدأ الردع المتبادل وليس من منطق الفرض بالضغوطات والإملاءات الأمريكية. كما ترى قوى حليفة للحزب، مثل حركة أمل وبعض القوى القومية واليسارية، أن الضغوط الغربية على لبنان تهدف إلى إعادة تشكيل النظام السياسي والأمني بما ينسجم مع المصالح الإسرائيلية.
الانتقادات الشعبية للسلطة اللبنانية لا تقتصر على مضمون التفاوض فقط، بل تشمل أيضًا طريقة إدارة الملف بعيدًا عن الشفافية الوطنية والمؤسسات الدستورية والإجماع الوطني. فهناك اتهامات متزايدة بأن القرار اللبناني بات مرتهنًا للضغوط الخارجية، سواء عبر التهديد بالعقوبات أو من خلال ربط المساعدات الدولية بتنفيذ شروط سياسية وأمنية محددة. ويعتقد كثير من المعارضين أن الطبقة السياسية اللبنانية، المنهكة بالأزمة الاقتصادية والانقسامات الداخلية، أصبحت أكثر استعدادًا لتقديم تنازلات تحت عنوان “الإنقاذ” و”منع الحرب”، حتى لو أدى ذلك إلى إضعاف الموقف السيادي للبنان على المدى الطويل. كما أن الرعاية الأمريكية لأي مفاوضات تثير شكوكًا عميقة لدى أكثرية اللبنانيين وشريحة كبيرة من العرب، خصوصًا بعد المواقف الأمريكية الداعمة لإسرائيل في حرب غزة، واستخدام واشنطن المتكرر لحق النقض في مجلس الأمن لحماية الحكومة الإسرائيلية من الضغوط الدولية. ولا ننسى الدعم اللامتناهي للكيان الصهيوني اللوجستي والعسكري في حربه على لبنان. ولهذا يعتبر الرافضون للتفاوض المباشر أن الحديث عن “وساطة أمريكية” ليس سوى محاولة لإعادة إنتاج ميزان قوى مختل يُفرض فيه على لبنان القبول بشروط أمنية وسياسية تصب في مصلحة إسرائيل. وهذا ما يراه أكثرية اللبنانيين من خلال تكوين السلطة الحالية.
في المقابل، تدافع قوى سياسية لبنانية أخرى عن خيار التفاوض باعتباره ضرورة واقعية في ظل الانهيار الاقتصادي والعجز العسكري للدولة اللبنانية، وترى أن تجنب الحرب أولوية وطنية تتقدم على الحسابات الأيديولوجية. لكن هذا الطرح يواجه اعتراضًا واسعًا من جهات تعتبر أن التجارب السابقة أثبتت أن إسرائيل لا تتقيد بالقوانين الدولية ولا تقدم أي التزامات مجانية، وأن أي تراجع لبناني في ملفات السيادة والحدود سيؤدي إلى مزيد من الضغوط مستقبلًا.
وسط هذا الانقسام الحاد، يبقى لبنان أمام معادلة شديدة التعقيد: دولة ضعيفة اقتصاديًا ومفككة سياسيًا بدون أوراق قوة، وضغوط دولية وإقليمية متزايدة، ومقاومة تعتبر نفسها خط الدفاع الأخير عن السيادة الوطنية، وقوى سياسية ترى أن الأولوية هي لإعادة بناء الدولة ولو عبر تسويات مؤلمة. وبين هذين المسارين والانقسام العامودي، يستمر الجدل حول ما إذا كان التفاوض المباشر يمثل خطوة نحو الاستقرار، أم بداية مرحلة جديدة من إخضاع لبنان لموازين القوى التي تفرضها إسرائيل بدعم أمريكي كامل من خلال مكونات داخل الحكومة اللبنانية وخارجها تتقاطع مصالحها معها.
