عبيدلي العبيدلي **
غير أن الأثر الأكثر تعقيدًا لا يظهر في المؤشرات الاقتصادية المباشرة، بل في التفاعل بين الكلفة الاقتصادية والبيئة السياسية. فقد أظهرت بعض الدراسات أن الحروب الطويلة لا تُستنزف فيها الموارد المالية فقط، بل تتآكل فيها أيضًا القدرة السياسية على الاستمرار؛ حيث تتحول الكلفة الاقتصادية إلى موضوع جدل داخلي، ينعكس في شكل ضغوط على صانعي القرار.
وفي هذا السياق، يمكن القول إنَّ الولايات المتحدة لا تواجه خطرًا اقتصاديًا مباشرًا من الحرب، لكنها تواجه خطرًا من نوع مختلف، يتمثل في تراكم الضغوط السياسية المرتبطة بالكلفة الاقتصادية، وهو ما قد يحدّ من قدرتها على الاستمرار في الصراع على المدى الطويل.
وفي المقابل، تكشف الحالة الإسرائيلية عن نموذج مختلف جذريًا؛ حيث تتحول الكلفة الاقتصادية للحرب بسرعة إلى ضغط مباشر على بنية الاقتصاد نفسه؛ فإسرائيل، رغم كونها اقتصادًا متقدمًا من حيث التكنولوجيا والابتكار، تظل اقتصادًا متوسط الحجم، حيث يبلغ ناتجها المحلي نحو 520 مليار دولار. هذا الحجم يجعلها أكثر حساسية للكلفة النسبية للحرب، حتى وإن كانت الكلفة المطلقة أقل بكثير من تلك التي تتحملها الولايات المتحدة.
لقد بلغت الكلفة المباشرة للحرب خلال الأسابيع الأولى نحو 35 مليار شيكل، أي ما يعادل 11.5 مليار دولار. وإذا ما استمرت العمليات العسكرية بوتيرة مماثلة، فإن الكلفة السنوية قد تصل إلى ما بين 70 و100 مليار دولار، وهو ما يعادل نحو 4 إلى 5% من الناتج المحلي الإجمالي. هذه النسبة، في حد ذاتها، كفيلة بإحداث اختلالات ملموسة في التوازنات المالية، حيث تؤدي إلى توسع العجز المالي إلى حدود قد تتراوح بين 6 و7% من الناتج، مقارنة بنحو 3% قبل الحرب.
إن هذا التوسع في العجز يفرض بالضرورة زيادة في الاقتراض، وهو ما ينعكس في ارتفاع عوائد السندات الحكومية. وقد شهدت الأسواق بالفعل زيادة في عوائد السندات بنحو يتراوح بين 50 و100 نقطة أساس، وهو ما يشير إلى إعادة تسعير المخاطر السيادية. ومع ارتفاع كلفة الاقتراض، تتراجع قدرة الحكومة على تمويل الإنفاق دون التأثير على بقية القطاعات، وهو ما يؤدي إلى ما يُعرف في الأدبيات الاقتصادية بظاهرة “تزاحم الاستثمار”، حيث يؤدي ارتفاع الإنفاق الحكومي إلى تقليص الاستثمار الخاص.
غير أن الأثر الأكثر وضوحًا في الحالة الإسرائيلية يظهر في سوق العمل والإنتاجية. فقد أدى استدعاء قوات الاحتياط إلى سحب ما يقارب 2 إلى 3% من القوة العاملة من النشاط الاقتصادي، وهو ما انعكس في انخفاض الإنتاجية وتراجع الناتج المحلي بنحو يتراوح بين 1 و2% سنويًا (OECD, 2024). وفي اقتصاد يعتمد بدرجة كبيرة على رأس المال البشري والابتكار، فإن مثل هذا الانخفاض لا يمثل مجرد خسارة كمية، بل يؤدي إلى تعطّل عمليات الإنتاج واتخاذ القرار داخل الشركات، خاصة في القطاعات التكنولوجية.
كما أن الحرب أثرت بشكل مباشر على تدفقات الاستثمار الأجنبي، حيث تشير التقديرات إلى تراجع هذه التدفقات بنسبة تتراوح بين 20 و30%، أي ما يعادل نحو 10 إلى 15 مليار دولار سنويًا. هذا التراجع لا يعكس فقط زيادة المخاطر، بل يشير أيضًا إلى تغير في الصورة الذهنية للاقتصاد الإسرائيلي، الذي كان يُنظر إليه سابقًا بوصفه بيئة مستقرة نسبيًا للاستثمار في قطاع التكنولوجيا. ومع تزايد المخاطر الجيوسياسية، يصبح المستثمرون أكثر حذرًا، وهو ما يؤدي إلى تباطؤ في تدفق رأس المال، وإلى ارتفاع في كلفته.
وتكمن الخطورة الحقيقية في أن هذه الآثار لا تبقى مؤقتة، بل تتحول تدريجيًا إلى تغيرات بنيوية في الاقتصاد. فمع استمرار الحرب، يتم إعادة توجيه الموارد من القطاعات الإنتاجية إلى القطاع العسكري، وهو ما يؤدي إلى تراجع الاستثمار في مجالات مثل البحث والتطوير والبنية التحتية. وقد أظهرت الدراسات أن مثل هذه التحولات تؤدي إلى انخفاض معدلات النمو على المدى الطويل، حتى بعد انتهاء الصراع.
وعلى هذا الأساس، يمكن القول إن الاقتصاد الإسرائيلي لا يواجه خطر الانهيار الفوري، لكنه يواجه خطرًا أكثر تعقيدًا يتمثل في التحول التدريجي نحو اقتصاد أقل مرونة، وأكثر عرضة للصدمات، وأقل قدرة على تحقيق معدلات نمو مرتفعة. وهذا ما يجعل الكلفة الاقتصادية للحرب، في الحالة الإسرائيلية، ليست مجرد كلفة مالية، بل كلفة بنيوية تؤثر في مستقبل الاقتصاد.
إن تقدير الكلفة الإجمالية التي تتحملها كل من الولايات المتحدة وإسرائيل في هذه الحرب لا يمكن اختزاله في جمع بنود إنفاق عسكري مباشر، لأن هذا النوع من التقدير يغفل البنية الحقيقية التي تنتقل عبرها الكلفة داخل الاقتصاد. فالكلفة، في معناها الاقتصادي الكامل، تتكون من ثلاثة مستويات متداخلة: الكلفة المباشرة المرتبطة بالعمليات العسكرية، والكلفة غير المباشرة التي تنتقل عبر الطاقة والأسواق المالية، ثم الكلفة البنيوية التي تتجلى في تغير مسار النمو على المدى المتوسط. ومن دون إدماج هذه المستويات الثلاثة، تصبح أي محاولة لتقدير “الفاتورة الإجمالية” قاصرة أو مضللة. وفي حالة الولايات المتحدة، تبدو الكلفة المباشرة للحرب محدودة نسبيًا عند النظر إليها كنسبة من الناتج المحلي، إذ تُقدَّر بنحو 50 إلى 100 مليار دولار سنويًا، وهو ما يمثل أقل من نصف نقطة مئوية من اقتصاد يتجاوز حجمه 27 تريليون دولار. غير أن هذا الرقم لا يعكس سوى الجزء الظاهر من الكلفة. فارتفاع أسعار الطاقة، الناتج عن الحرب، أضاف ما بين 0.5 و1 نقطة مئوية إلى معدلات التضخم، وهو ما اضطر الاحتياطي الفيدرالي إلى الإبقاء على سياسة نقدية مشددة لفترة أطول مما كان متوقعًا. هذا التشديد، بدوره، رفع كلفة الاقتراض على الشركات والأسر، وأدى إلى تباطؤ الاستثمار، وهو ما يترجَم في النهاية إلى خسارة في الناتج قد تتراوح بين 100 و150 مليار دولار سنويًا.
*********
** تنويه: الكاتب استعان بمجموعة من برمجيات الذكاء الاصطناعي وخوارزمياتها، إضافة إلى محركات البحث، من بين الأهم فيها:
** خبير إعلامي
