د. غالية بنت عيسى الزبيدي
لم يكن ما رأيتُه في ظهيرة ذلك اليوم، مشهدًا عابرًا يُطوى كما تُطوى بقية التفاصيل اليومية، بل كان أقرب إلى نداءٍ خفيٍّ أيقظ في داخلي إحساسًا بالمسؤولية كي أكتب عنه. كأنَّ الطريق- بكل صمته- سلّمني حكايةً صغيرة وقال: اكتبيها لعلها تصل!
على ناصية الشارع كانت تقف، في مواجهة الشمس، فتاةٌ في العشرين من عمرها، جميلةٌ على نحوٍ لا يليق بقسوة المكان، تبيع الهريس، رأيتها في أيام سابقة أيضًا في الشارع نفسه؛ لكنها تتنقل من زاويةٍ إلى أخرى بحثًا عن الظل.
مررتُ بها أول الأمر، ثم عدتُ بسيارتي إلى الخلف ليس بدافع الفضول، بل لأن شيئًا في داخلي لم يقبل أن تكون مجرد صورةٍ تمضي وحسب.
حين اقتربتُ، بدأت تُكلّمني بلهجةٍ عربيةٍ أخرى، مترددة، كأنها تختبئ خلف الكلمات.
كانت تحاول أن تراوغ، أن تؤجل تعريفها بنفسها، ربما خوفًا، أو حذرًا تعلّمته من الطريق. وأنا لستُ من النساء الفضوليات: لم أسألها من أنتِ، ولماذا تقفين هنا، ما الذي جاء بكِ إلى هذا المكان.؟
اكتفيتُ بسؤالٍ عابرٍ يحمل لطف النية أكثر مما يحمل فضول المعرفة.
لكن حين التقت عيناها بعيني، واطمأنت لشيءٍ ما، تخلّت عن ذلك القناع اللغوي، وقالت ببساطةٍ بريئة: "أنا عُمانية… من قرية..... في محافظة....."، ثم مضت تُخبرني باسمها، وبعض تفاصيلها، كأنها تتوسم خيرًا في شيءٍ ما.
اشتريتُ منها، ولم يكن ما أخذته طعامًا بقدر ما كان حكاية.
وحين ناولتني رقم هاتفها حتى أحول لها قيمة الهريس، قالت بهدوء:
إن احتجتِ يومًا، تواصلي معي… واخبري زميلاتك في العمل أن يطلبوا مني الهريس.
في تلك اللحظة، قلقت عليها من تلك البراءة؛ ومن أن تكون هذه الثقة جسرًا يعبره من لا ضمير له، من أن يصبح رقمها بابًا مفتوحًا لمن قد يستغل حاجتها أو يبتزها تحت ستار الشراء؛ فهي- بدافع طلب الرزق- قد تمنح رقمها لأي عابرٍ يطلبه لتحويل مبلغٍ أو طلبٍ لاحق، غير مدركة أن بعض الأرقام لا تُحفظ في الهواتف، بل تُستغل في الظِلال.
هي لا ترى في الأمر خطرًا، بل فرصةً للحياة، لكن الطريق- كما نعرف- لا يمنح الطمأنينة دائمًا. فكم من عابرٍ لا يشتري بقدر ما يترصّد، وكم من كلمةٍ تبدأ بطلبٍ عادي وتنتهي بما لا يُحمد عقباه.
أنا لا أرى في وقوفها ما يُستنكر؛ فالعمل كرامة، والسعي ضرورة.
لكن السؤال الذي ظلّ يرافقني: هل ينبغي أن تظل هذه الفتاة، ومن يشبهنها، في مواجهة الشمس والاحتمالات معًا؟
أليس من الممكن أن تُهيّأ لهنّ أماكن مُخصَّصة، مُظلَّلة، تحفظ لهنّ إنسانيتهن قبل تجارتهن؟
أماكن صغيرة، لكنها آمنة، تُبعدهن عن قسوة الطقس وقلق الطريق، وتضع بينهن وبين العابرين مسافةً من الاحترام المنظّم.
ولعل وجود عينٍ حارسة (رجل أمن أو كاميرا مراقبة) ليس تقييدًا، بل حمايةٌ تليق ببراءتهن وتشجعهن على الكسب الحلال من مسافة آمنة.
عدتُ يومها، لكنني لم أعد كما خرجت.
بقيت "الآنسة ع" واقفةً في ذاكرتي، لا تبيع الهريس فقط، بل قدمت لي درسًا صامتًا عنوانهُ أن بعض المشاهد لا تمرّ بنا، بل تُقيم فينا، حتى نكتبها… أو لعلنا أن نُغيِّر ولو شيئًا يسيرًا من أجلها.
