◄ أهمية دور مكتب نائب رئيس الوزراء للشؤون الاقتصادية كمرجعية عُليا تُنهي ازدواجية القرار وتؤكد وضوح المسار
د. صالح بن سعيد مسن
في الوقت الذي تمضي فيه سلطنة عُمان بثبات نحو تحقيق مستهدفات رؤية "عُمان 2040"، يبرز القطاع الصناعي كأحد أهم محركات التنويع الاقتصادي، ليس فقط من حيث مساهمته التي تقارب 10% من الناتج المحلي الإجمالي، بل أيضًا من حيث وتيرة نموه المتسارعة خلال السنوات الأخيرة.
وخلال الخطة الخمسية العاشرة (2021–2025)، حقق القطاع الصناعي نموًا تراكميًا يُقدّر بنحو 22%، مدفوعًا بارتفاع الاستثمارات بنسبة 24.6% حتى نهاية عام 2025، إلى جانب تضاعف الصادرات الصناعية خلال الفترة ذاتها. هذه المؤشرات لفتت انتباه المنظمات الدولية؛ حيث أشادت منظمة الأمم المتحدة للتنمية الصناعية "اليونيدو" بالتجربة العُمانية، ووصفتها بأنها نموذج متقدم للنمو الصناعي في المنطقة.
وراء هذه الأرقام تقف جهود مؤسسية تقودها وزارة التجارة والصناعة وترويج الاستثمار، من خلال إستراتيجية صناعية واضحة، ومبادرات نوعية، وأدوات تنفيذية أسهمت في تحقيق هذا الزخم. غير أن هذا النجاح المتسارع يطرح تساؤلًا مهمًا: هل واكبت منظومة الحوكمة هذا النمو بنفس الكفاءة؟
ومع تنامي نجاحات القطاع الصناعي وارتفاع جاذبيته، برز اهتمام متزايد من عدد من الجهات الحكومية لتكون لها حصة من هذه النجاحات. وقد برزت في الفترة الأخيرة مؤشرات على اتساع دائرة الجهات المتداخلة في القطاع الصناعي، سواء من حيث المبادرات أو تبني المنجزات. وبينما قد يُفسر ذلك كدليل على جاذبية القطاع، إلا أنه يعكس في جوهره تحديًا يتعلق بوحدة القرار واتساق السياسات، وهما عنصران أساسيان لأي قطاع يسعى إلى الاستدامة.
في الواقع العملي، يُلاحظ أن بعض التداخلات لا تُحسم عبر أطر مؤسسية مستقرة، بل من خلال لجان واجتهادات شخصية، حيث قد يُبنى القرار أحيانًا على قوة التأثير داخل اللجنة أو قربك من رئيس اللجنة لا على وضوح الاختصاص. وهذه إشارة مقلقة في قطاع يُفترض أن يكون قائمًا على التخطيط طويل الأمد والانضباط المؤسسي.
وتزداد هذه الإشكالية تعقيدًا مع التغيرات المؤسسية، مثل فك ارتباط المؤسسة العامة للمناطق الصناعية "مدائن" عن وزارة التجارة والصناعة وترويج الاستثمار؛ رغم كونها أحد أهم الأذرع التنفيذية للسياسة الصناعية للوزارة. مثل هذه الخطوات، إن لم تُصمَّم ضمن إطار حوكمة متكامل، قد تخلق فجوة بين صانع القرار ومُنفِّذه. وفصل السياسة عن التنفيذ دون وجود آليات تنسيق فعّالة قد يؤدي إلى ازدواجية في القرارات وتضارب في الأولويات، وهو ما قد ينعكس سلبًا على سرعة الإنجاز وجودته. وفي مثل هذه الحالات، تزداد الحاجة إلى إطار حوكمة واضح يضمن الاتساق ويحد من التداخل.
وفي اقتصاد يسعى للتنويع، يصبح التكامل بين الصناعة وقطاعات كـاللوجستيات والزراعة والصحة أمرًا حتميًا. لكن هذا التكامل قد يتحول من ميزة إلى عبء مؤسسي إذا غابت الحدود الواضحة للأدوار والصلاحيات
من هنا، تبدو الحاجة ملحّة إلى تعزيز الحوكمة المؤسسية للقطاع الصناعي، عبر تحديد جهة قيادية واضحة تتولى الإشراف الاستراتيجي، ووضع إطار متكامل لتوزيع الأدوار بين الجهات ذات العلاقة، إلى جانب تعزيز الربط بين صانع السياسة والجهات التنفيذية، وترسيخ مبدأ المساءلة المبنية على مؤشرات أداء دقيقة.
وفي هذا السياق، يبرز دور مكتب نائب رئيس الوزراء للشؤون الاقتصادية كجهة قادرة على تنسيق الجهود، ومعالجة تداخل الصلاحيات، وتوحيد القرار الاقتصادي بما يعزز كفاءته واستجابته لمتطلبات المرحلة. ولا شك أن وجود صاحب السمو السيد ذي يزن بن هيثم آل سعيد على رأس هذا المنظومة يُضفي أهمية كبيرة لهذا المكتب ليلعب دورًا حاسمًا في ضبط إيقاع المنظومة، ليس كجهة تنسيقية؛ بل كمرجعية عليا تنهي ازدواجية القرار وتعيد وضوح المسار.
ختامًا.. لا خلاف على أن القطاع الصناعي في عُمان يسير في الاتجاه الصحيح، وقد حقق نتائج لافتة في فترة زمنية قصيرة. إلّا أن التحدي الحقيقي في المرحلة المقبلة لا يكمن في تحقيق النمو فحسب، بل في ضمان استدامته من خلال حوكمة واضحة، وقيادة موحدة، ومنظومة مؤسسية قادرة على تحويل النجاح إلى مسار طويل الأمد. ويبقى أن نتساءل: هل توجد لدينا ثقافة عمل وقيم عمل إيجابية تُقدِّس الإنتاجية والمُثابرة وتقديم الأفضل للوطن؟!
